يهل علينا عيد الاضحى المبارك، عيد التضحية والايثار والفداء، ليتوج فريضة كبرى من فرائض الاسلام، وركناً من اركانه، وهو الحج؛ حيث يلتقي ملايين المؤمنين من ارجاء العالم على صعيد واحد بلباس الاحرام الابيض الموحد، هاتفين بالتلبية للرحمن، الذي جاءوا الى بيته «رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام» ينحرون الهدي، ويأكلون من لحومها ويطعمون البائس الفقير.
عيد الاضحى هو ثاني عيدين في الاسلام، وقد جرت عادة المسلمين منذ نشأة الاسلام الاولى على الاحتفال والبهجة بهذه المناسبة، وعلى التراحم والتواصل والمسامحة والتزاور وتذكر عائلات الشهداء والمصابين والاسرى، والتوسعة على الاطفال والمحتاجين، وهذا هو المعنى المستفاد من عيد الاضحى - وهو المعنى الذي فهمه المسلمون عبر الاجيال وطبقوه في هذا العيد قدر الامكان، وعلى حسب الظروف التي تمر بها الشعوب الاسلامية مجتمعة، وكلاً على حده.
ويأتي عيد الاضحى هذا العام، والامة الاسلامية عامة والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، في اوضاع لا نقول انها كالأعوام الماضية: إذ ان الامور تسوء عاما بعد عام، وذلك نتيجة للفرقة والخلافات، والتناحر بين الانظمة على حساب المصلحة العليا لشعوبهم وامتهم: فبعد احتلال افغانستان.. والعراق، ها هي السحب الداكنة السوداء تتجمع فوق دمشق الفيحاء وحلب الشهباء، لتنذر بأوخم العواقب، وتهدد سوريا العروبة في استقلالها وكرامتها وسيادتها الوطنية، وها هو عود سوريا مهدد بالانكسار بعد تكسر اعواد افغانستان والعراق والشيشان وما يسود معظم الاقطار الاسلامية من هوان وخنوع للقوى الدولية الطامعة، المستهينة بالامة العربية والاسلامية، اقوالاً وافعالاً ومواقف.
والوضع في فلسطين ليس احسن حالاً: فالفلتان الامني وفقدان هيبة الحكم وحوادث الاختطاف، واقتحام المقرات الحكومية والرسمية - كل ذلك يلقي بظلاله على امكانية تحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة، القادرة على بسط سيادة القانون وهيبة الدولة، واقتلاع جذور الفساد والمفسدين، واعطاء الشعب حقوقه السياسية والانسانية كاملة: واهمها الحق في التداول السلمي للسلطة، والمساواة بين المواطنين، اما القضية الفلسطينية فقد تحولت الى رهينة في يد اسرائيل والولايات المتحدة، وكل ما تفرضه اسرائيل انفراديا يتحول الى اجراءات تصادق عليها الاسرة الدولية، فتصادر الاراضي وتتوسع المستوطنات، ويرتفع جدار الفصل العنصري ليشكل سجونا ومعتقلات، معزولة بعضها عن البعض الآخر، ويتحول من مجرد فكرة مجنونة الى كابوس واقعي يعانيه الفلسطينيون آناء الليل واطراف النهار.
واذا كان لكل ليل مظلم فجر مشرق، يتبدد فيه الظلام، وتتكسر القيود، فان الامل والدعاء هو ان يحل العيد القادم وقد انتهت المعاناة الفلسطينية، وعم الاستقرار والامن ربوع العالم الاسلامي وساد السلام العادل هذه الارض بعد طول التنازع والاقتتال وسيطرة الاطماع والجشع والانانيات، وتحكمها في الامم والشعوب.
وكل عام والشعب الفلسطيني والامة الاسلامية بخير.