«الحياة ليست دائماً جميلة، عشها ببساطة، واستمر في السير فيها لتصل إلى ذلك الضوء البعيد في نهاية النفق. وثق بأن الغد سيكون مشرقاً». هذه العبارة كنت قد كتبتها في زمن مضى أواسي بها من ملأ اليأس قلوبهم. ومن باتوا يرون الخلاص من الهموم التي يعايشونها أمراً مستحيلاً. أراني اليوم أعيد كتابتها في هذه المساحة لكل من يشعر بأن الهم واليأس قد تسللا إلى نفسه لينالا منها ماينالان من القوة والعزم حتى تصبح خطاها ثقيلة وعاجزة عن الوصول إلى النور في نهاية النفق الذي تخضعنا الاقدار للسير فيه. ذلك النور الذي نستبعد الوصول إليه، هو قريب بقدر اقترابنا من الله سبحانه وتعالى الذي وعدنا خيراً لطالما صبرنا واحتسبنا.
بعض الناس لا يدركون أهمية الهموم التي يبتلينا الله بها. ولا يدركون ان تلك الهموم عندما ترمي بثقلها علينا تكون سبباً في تمكيننا في هذه الحياة لنمضي محققين نجاحاتنا بجدارة وتميز. وان لحظات الفشل التي تصادفنا وتعكر صفاء فرحتنا ليست سوى منعطف قصير نمر به لنصل إلى غاياتنا بنجاح لا يشوبه انكسار او انهزام. سأل رجلٌ الإمام الشافعي رحمه الله : يا أبا عبد الله أيها أفضل للرجل أن يُمكَّن أو يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكّن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة. فالابتلاء سنة الله التي لا تتخلف.
قد يختلف الناس في بعض الامور او حتى كلها فمنهم القادر على ضبط نفسه عند الهموم، ومنهم من لا يقدر على ذلك، كل بحسب قوة إيمانه او ضعفه، والذي ينظر إلى حالنا في هذا الزمان يتعجب بسبب عدم ملك البعض شيئاً من الصبر حتى عند اتفه الاسباب. إذ تضيق نفسه ويكبر جزعه وهو لا يوكل أمره إلى خالقه الذي تكفل به قبل أن يخرج إلى هذه الحياة. وليته يدرك في لحظة الضيق وتكالب الهموم، ولحظة اليأس من الوصول إلى ما يبتغيه، ان الخالق- عز وجل- وحده القادر على ان يتكفل بما هو أعظم من ذلك.
إن سعادة الإنسان وتعاسته لا تصنعهما الأحداث، بل يصنعهما الإنسان من خلال علاقته بالله، وإيمانه به، وثقته بأنه من أودع في نفسه تلك الهموم، ووحده القادر على ان يستبدلها بفرج وراحة وطمأنينة. فكلما قويت علاقة الإنسان مع الله، تصالح مع نفسه وشعر برضا في أشد المصائب، لأنه يعلم أن الصبر على البلاء «سراج العارفين».
لم أشأ ان أكدر فرحة العيد بالحديث عن الهموم، لكني اردت تذكير نفسي واياكم بأن تلك الهموم التي نحملها في نفوسنا هي سراجنا الذي نحمله في هذا النفق الذي نسير فيه نحو النهاية، وان هذه الهموم هي سر استشعارنا للنعم التي لا تعد ولا تحصى. وان هم الواحد منا وان كان يراه عظيما فهو لا يعد شيئا امام هموم اكبر يحملها غيرنا. لذا فلنصادق الحياة بإيماننا، راضين بقضاء الله وقدرته في ان يجعل من كل عسر يسرا.
كن صديقاً للحياة واجعل الإيمان راية
وامض حراً في ثبات إنها كل الحكاية
وابتسم للدهر يوماً إن يكن حلواً ومراً
ولتقل إن ذقت همّا إن بعد العسر يسرا
maysaghadeer@yahoo.com