المشهد الرهيب لا نظير له: ثلاثة ملايين من البشر في بقعة محدودة على مدى ساعات وقد غشيهم خشوع.

وتنوع المشهد لا نظير له: عرب الشرق الأوسط مع هنود وباكستانيين وصينيين وأفارقة وأجناس شرق آسيا من اندونيسيين وماليزيين وآسيا الوسطى من أوزبك وطاجيك وشيشان، ودائرة التنوع تتسع: رجال ونساء، وشباب وشيوخ، وحكام ومحكومون، وأغنياء وفقراء.

ورغم ذلك فإن هؤلاء الملايين الذين وقفوا على «جبل الرحمة» ليسوا سوى طليعة لأمة من المسلمين يربو عددها على المليار ونصف المليار نسمة.. ليس لأي واحد منهم فضل على آخر إلا بمعيار التقوى.

كل عام تأتي ملايين إلى جبل عرفات لتجديد العهد للرسالة الخاتمة حين وقف في المكان نفسه خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم وتلا قوله تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا...».

لم يعرف البشر ـ ولن يعرفوا ـ دينا أقوى من الإسلام كمنهاج للحياة الدنيا والحياة الأخرى.

لقد صدع محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام كدعوة أممية «يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا..» وعرض على البشر منهجا إلهياً ينطوي على وعد إلهي بأن أمة المسلمين ستكون، لو تمسكت بهذا المنهج، خير أمة أخرجت للناس.

لكن انظر الآن لترى أمة الإسلام وقد صارت مستضعفة تتداعى عليها الأمم.

لماذا؟، لأنها فرطت في المنهج.

لقد أصبحنا في عصر يستحي فيه قسم من المسلمين من مجرد إعلان انتمائه إلى الأمة.

بعض القادة يتدافعون بالمناكب من أجل استرضاء نظرائهم في الغرب غير المسلم يبتغون عندهم العزة بينما الشعوب تتفرج وقد تحللت من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو حتى باللسان.

وبعض العلماء يفتون شعوبهم بمبدأ فصل الدين عن السياسة وفصل السياسة عن الدين.

وتستكين الشعوب لمثل هذه الفتاوى الضلالية بينما ترى دولة اليهود في إسرائيل وقد أقيمت ككيان ديني خالص على مرتكز «أرض الميعاد» المستمدة من «التوراة» المحرفة.

إن الإسلام ليس دينا عدوانيا، فالقرآن إذ يحض المسلمين على نشر كلمة الله فإنه يكفل الحرية لمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ومع ذلك فإن الإسلام اليوم محط عداء راسخ ومنهجي من الغرب لأن القرآن يدعو إلى رفض الظلم وعدم الاستكانة إلى الظالمين. ورفض الظلم ومناوأة الظالمين ليس سوى دفاع مشروع عن النفس والحق.

وعالم اليوم عالم تطفيف واختلال موازين واستخفاف بالقيم الأساسية للتعامل الأخلاقي. فقسم من البشر لا يمثل سوى أقلية يفرض البؤس والفقر والجهل والمرض على الأغلبية البشرية من أجل الانفراد بالاستمتاع بخيرات الأرض. ولأن الإسلام يرفض هذا كله فإنه بات موضع استهداف لكي لا تنتشر تعاليمه الأممية.