اندفع الإسرائيليون خلال ساعات قليلة في مرحلة ما بعد شارون، فالنزيف الدماغي منذ البدء لم يترك مجالات للتكهنات، لأن الجنرال الضخم العجوز لن يستعيد عافيته وإن استعاد صحته جزئياً لن يستعيد ذاكرته. وتراجعت التكهنات حول وضع شارون باعتباره انتهى سياسيًا وحلت محلها التكهنات حول مستقبل حزبه الوسطي الجديد «كديما» الذي تركه دون قيادة حقيقية.

حقبة شارون انتهت وهي حقبة رجل عسكري ظل عسكرياً حتى غيبوبته، فالدم الذي أحاط به منذ نهاية الأربعينات لازمه وأدى إلى غيبوبته، والغريب انه بعد إدخاله المستشفى تم تصويره دوليا وكأنه رجل سلام وصار سياسيون وزعماء يتساءلون عن مستقبل عملية السلام من بعده، رغم انه عمليا كان نقيضا للسلام وعمل كل ما في وسعه لإحباط أية تسوية سلمية تخرج عن نطاق أيديولوجيته الموروثة كصهيوني يعتقد أن لا مجال لإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وأن إسرائيل «تنازلت» عن شرقها أي شرق الأردن، أما غربها فسيبقى إسرائيلياً ويمكن إيجاد حل مؤقت طويل الأمد للفلسطينيين في الضفة أي إقامة دولة مؤقتة بمعنى أنها غير قابلة للاستمرار فإماً أن تلتهمها إسرائيل أو يتم إلحاق سكانها بالأردن.

شارون كان يبلور خطته هذه قبل الانتخابات وكان يريد طرحها في برنامجه الانتخابي في مواجهة برنامج حزب العمل الداعي إلى التفاوض مباشرة مع الفلسطينيين. وجوهر خطته يستند إلى المرحلة الثانية من مشروعه لفك الارتباط والانفصال عن الفلسطينيين كما حدث في غزة.. لكنه في حالة الضفة يريد استمرار الاحتلال في الأغوار والقدس وضم المستوطنات وإسقاط حق العودة للاجئين وإقامة كيان فلسطيني مؤقت لأجل طويل الأمد، لكنه لم يستبعد احتمال التخلي عن سكان القدس لصالح الكيان الفلسطيني بمعنى أن الجدار حول القدس هو حدود دائمة. ولهذا أعرب بعض القادة الفلسطينيين عن قلق يساورهم في مرحلة بعد شارون لأنهم استنتجوا بسذاجة أن الجنرال الدموي سيدخل بعد انحرافه من اليمين إلى الوسط في مفاوضات على أساس خارطة الطريق مع أن خطته التي عكف على إعدادها قبل مرضه جاءت كبديل عن خارطة الطريق.

في موازاة ذلك ينهمك قادة حزب «كديما» في محاولته للإبقاء على زخم حزبهم الجديد لأنه حزب الرجل الواحد.. فالهاربون من الليكود إلى «كديما» يحاورهم إيهود إولمرت والهاربون من اليسار لهم شمعون بيريس، وسيتفق الاثنان على قيادة الحزب للحفاظ على بقائه.. ورغم أن استطلاعات الرأي الأولية أشارت إلى أن الحزب حافظ على زخمه الجماهيري وأعطته الاستطلاعات ما بين 40-42 مقعداً إلا أن الحكم عليه ما زال مبكراً لأنه لم يتم توزيع أو انتخاب المناصب القيادية فيه حتى الآن ولان الناس في صدمة فإنهم يتعاطفون مع الحزب مؤقتا وقد يغيرون مواقفهم لاحقا.

ثم هناك رجل اقتناص الفرص وهو زعيم الليكود بنيامين نتانياهو الذي كان سينافس شارون على رئاسة الحكومة في الانتخابات وقد بدأ يعمل بطريقة «ثعلبية»، حيث سيحاول الليكود استعادة شخصيات يمينية من «كديما» وسيتراجع عن نيته الانسحاب من الحكومة وسيبقى فيها ما يمنحه فرصة لاستعادة ناخبين وقادة إلى الليكود. وهو ما سيفعله حزب العمل أيضاً لأن رحيل ناخبين وقيادات من حزب العمل إلى حزب شارون كان يرتكز على أساس أن لا أمل لحزب العمل في الفوز وان فاز لن يستطيع انجاز أية تسوية سياسية بسبب معارضة اليمين لكن ذلك كان ممكنا مع شارون.

وقد يؤدي غياب شارون إلى إضعاف عمير بيرتس زعيم العمل وربما إلى الإطاحة به لصالح إيهود باراك، لأن الأخير هو من هزم نتانياهو واسقطه في الانتخابات قبل الماضية وهو الجنرال الوحيد القادر على مواجهته حتى لو تسلم إيهود أولمرت قيادة حزب «كديما». ذلك أن نقطة ضعف بيرتس كانت انه لا يملك ماضيا عسكريا مثله مثل نتانياهو والناخبون الإسرائيليون مجذوبون دوما إلى العسكرية ويرون أن رئيس الوزراء العسكري اقدر على قيادتهم ولعل فشل شمعون بيريس في الحياة السياسية الإسرائيلية كرجل أول يرجع إلى انه ليس جنرالا.

فحتى أحسن الاستطلاعات تفاؤلاً لم تمنح عمير بيرتس أي احتمال لهزيمة أولمرت ونتانياهو وهي استطلاعات رأي أجريت قبل غيبوبة شارون وبعد إصابته بالجلطة الأولى، لكن بيرتس ظل حتى اللحظة الأخيرة يحاول استعادة بيريس من «كديما» فهو يشكل له غطاءً واقياً داخل حزب العمل ويتمتع بشعبية رغم فشله في الفوز انتخابيا بل يبقى بيريس السياسي الإسرائيلي الوحيد على قيد الحياة من الجيل القديم الذي ينتمي إليه شارون. فالسياسي العجوز لديه إغراءات أحدها أن يكون الرجل الثاني بعد أولمرت ويبقى في كديما أو الرجل الثاني في العمل ويعود إليه.

الساحة الإسرائيلية إذاً مفتوحة لكل الاحتمالات ولن تنضج إلا بعد أسابيع، لكن حسمها لن يكون لا لصالح اليمين ولا اليسار لان الناخب الإسرائيلي يريد حلاً وسطاً، إذ تشير التنبؤات إلى أن «كديما» سيبقى على قيد الحياة رغم غياب مؤسسه.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين