تحت المجهر

عيد العفو والتسامح

هل قضى أحدنا يوم العيد وقد تجاهل البعض بسلامه؟ هل استمر في مقاطعة من يعرفهم ومن تربطه بهم صلة صداقة أو قرابة دون ان يتسامح ويلقي بعباءة العفو عليهم؟ هل اكتملت فرحة العيد.

وقلوب بعضنا ما زالت تحمل ضغينة في هذا العالم الصغير الذي نلتقي فيه، سواء كنا متصالحين او متخاصمين؟ هل قلوبنا المثقلة بهموم الحياة ما زالت تتسع للغضب والحقد والخصومة؟ هل مازلنا نعتقد ان المقاطعة هي انتصار لأنفسنا ضد من أساء إليها، وتهرب من مسؤولية الاعتذار لمن أخطأنا في حقه؟ ان كنا استقبلنا العيد بكل ما سبق فأي فرحة للعيد نعايشها؟

إننا نعيش في عالم متشابك، تترابط فيه الأواصر بين البشر وتنقطع، لابد وان تمر لحظات تختلف فيها النفوس وتثور وتخطئ وتتألم أو تندم. ولابد ان نرى قلوبا متعانقة، واخرى متعاتبة واخرى غاضبة. فنحن في النهاية بشر نعيش في هذا العالم الذي يجمعنا والذي نثقله بخلافاتنا واخطائنا التي سجلها التاريخ في ذاكرة لاتنسى وحفظ معها فنونا للاعتذار عنها.

يروى في بعض الاخبار ان ملكا امر بصنع الطعام له، فدعا إلى هذا الطعام قوما مقربين إليه، فلما مدت السفرة اقبل الخادم وعلى كفه صحن الطعام، فلما قرب من الملك ادركته الهيبة فعثر فوقع من مرق الصحن شيء يسير على طرف ثوب الملك، فأمر الملك بضرب عنقه، فصبّ الخادم جميع ما كان في الصحن عمدا على رأس الملك.

فقال له: ويحك ما هذا؟ فقال الخادم: أيها الملك إنما صنعت هذا شحا على عرضك، وغيرة عليك لكيلا يقول الناس إذا سمعوا بذنب قتلي، قتله في ذنب خفيف، فتُنسب إلى الظلم والجور فصنعت ذنبا اعظم ليغفر الناس لك. فقال له الملك: ياقبيح الفعل يا حسن الاعتذار، أذهبنا قبيح فعلك لحسن اعتذارك، اذهب فأنت حر.

صور بتنا لا نراها ولا نلمس أثرا لها رغم ان الاعتذار عن الخطأ فضيلة دعا إليها ديننا، إذ طالب بالعفو عند المقدرة وآجر العافين وغفر عن المخطئين، فصار الاعتذار مبدأ لا يلجأ إليه إلا إنسان حضاري في سلوكه، سام في تعامله مع الغير.

يعلن اعتذاره ليفتح صفحة جديدة يكسب فيها قلوبا رمت عباءة العفو عليه غير مبال بالناس التي ترى اعتذاره ضعفا وتراجعا وانكسارا وتترك أخطاءها وان كانت صغيرة في زاوية بعيدة حتى يكبر الخطأ مع الأيام ويصبح ذنبا اكبر من ان ينسى.

إن الاجدر بنا كبشر نخطئ ويخطأ علينا ان نجعل الأخطاء محطة مرور لا نقف فيها كثيرا، نرتحل منها إلى الاعتذار الذي نكسب به قوة تجعل أقوى الناس يلتفتون إلينا بالتقدير والاحترام. فهناك نفوس غاضبة .

واخرى عاتبة غالية على قلوبنا تحتل أزمنة وأمكنة في ذاكرتنا تستحق أن نمنحها في هذا اليوم اكثر مما تتوقع، تستحق ان نقترب منها، نصافحها ونعانقها بحب وصدق ونطلب منها قبول اعتذارنا ليعود الصفاء فتمنحنا القدرة على العيش ومواصلة الرحلة في عالم متسامح يرسم البسمة على وجوهنا وينسينا هموم الحياة وكدرها.

Maysaghadeer@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات