قائد استثنائي بين العرب ـ أسامة شرشر

قائد استثنائي بين العرب

أثناء تواجدي في دبي قمت بتقديم واجب العزاء في فقيد الإمارات الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله في قصر زعبيل.

ما لمسته من حالة التوحد الوجداني والمشاعر الإنسانية الصادقة للمواطن الإماراتي الذي جاء من كل صوب ليقدم واجب العزاء بلا ضغط أو نفاق أو مسيرات أو رياء ليشارك آل مكتوم أحزانهم.

إن حالة الرضا والثقة بين الحاكم والشعب في الإمارات هي حالة متفردة وسط الدول العربية، لأن فقدان الثقة أصبح القاعدة في معظم الأنظمة العربية، والاستثناء هو الثقة والحب، لان معظم الشعوب العربية في الشارع العربي أصبحت مقهورة ومغلوبة على أمرها ولا تملك من أمرها شيئاً أمام جبروت وطغيان حكامها ولا تملك إلا الصبر إلى إشعار قدري يخلصها من الذل والهوان.

ولكن ما رأيته وشاهدته وعايشته بنفسي كمراقب ومتابع عن كثب بالإضافة إلى فضولي الصحافي جعلني أتوقف أمام هذه التجربة الفريدة في معطياتها ومفرداتها فكان ضرورياً أن أحاول فك رموزها.

فتساءلت لماذا حزن الشعب الإماراتي على فقدان الشيخ مكتوم رحمه الله، فكانت الإجابة سريعة وتلقائية ومباشرة من المواطنين، لأنهم منا ونحن منهم فكان الحزن والألم على رحيله نابعاً من القلب بلا مبالغة وبلا مراسم أو بروتوكولات مزيفة وبعيداً عن مراسم الوداع المستفزة.

فعادت بي الذاكرة إلى الوراء كثيراً عندما خرج الناس بتلقائية لتوديع جمال عبدالناصر وعندما حزن الشارع العربي على وفاة حكيم العدل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كل ذلك تم اختصاره منذ أن ركبت الحافلة مع المواطنين حتى دخلنا معاً إلى قصر زعبيل.

ولكن ما سمعته من حكايات من أبناء الإمارات والمصريين في دبي عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد جعلني أثق أن هذا الرجل سيكون «حاكماً استثنائياً» بين العرب، لأنه جعل من بلده واحة حقيقية للحرية والمواطنة وحقوق الإنسان.

إن شخصية هذا الرجل تحظى بقبول عام من شعبه، بالإضافة إلى أن توجهه العام ومنهجه وفكره يجمع بين الأصالة والتراث والفروسية العربية الأبية ومعاصرة كل جديد في العالم وترجمته لمصلحة بلده وشعبه.

وإن المواطن الإماراتي هو محور وهدف التنمية الاستراتيجي على كل الصعد الثقافية والروحية والاقتصادية والسياسية لسبب بسيط جداً أن هذا الفارس القادم من الشعب بمعطيات ومفاهيم ولغة الزمن الجميل، أخذ من الغرب إيجابياته في احترامه لحقوق مواطنيه وتقديسه للوقت والزمن واستخدام التخطيط والمنهج العلمي والإدارة الجيدة والمتابعة الحاسمة وابتعد عن الجانب السلبي للغرب المنافي للعقيدة الإسلامية والأعراف والقواعد الأخلاقية والعادات والتقاليد العربية.

وأخذ من الجانب العربي ترسيخ المفاهيم والمعتقدات الروحية والإسلامية والتراثية والثقافية وابتعد عن الجانب السلبي، وخاصة المؤتمرات والكلمات والشعارات الفارغة، وتقديس الذات للحكام وعدم احترام آدمية حقوق المواطنين.

فلذلك كانت رؤيته ومحاولته اختراق حاجز الخنوع والصمت العربي ودعوته المفاجئة في ضرورة إعداد كوادر ونماذج شبابية مؤهلة للقيادة من خلال إنشاء مبادرة إعداد القيادات لتولي المسؤولية والحكم نابعة من جهود صادقة، قلما يوجد مثيل لها بين الأنظمة العربية.

كل ذلك جعلنا نشعر بالأمل في الغد العربي وأن هناك نقطة مضيئة في جزء من الجسد العربي الذي ترهل كثيراً وأصبح خارج الخدمة والحركة على المستوى المحلي والدولي منذ زمن طويل.

فوجود قائد بمواصفات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هو مرحلة جديدة من القيادة والمسؤولية ونموذج فريد ودرس للحكام في شكل العلاقة بين الحاكم والشعب، بعد أن شعر المواطن العربي أنه ليس في ذاكرة حكامه إلا من خلال البيانات الورقية والإعلام والإعلان فقط.

لأنه أصبح رقماً منسياً يتذكرونه في الأزمات والكوارث والمواقف الصعبة وأمام الفضائيات ليضحكوا على العالم الخارجي بأن الشعب خلفهم وهذا غير حقيقي.

لاشك أن المواطن في دبي يشعر بالطمأنينة والرضا في تولي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم القيادة «لأنهم منه وهو منهم» وهذا الذي جعلنا نقول إن هذا القائد سيكون حالة استثنائية جدا في القيادة بين الأنظمة العربية وهذا هو الفرق.

إن هذا الفارس القادم من أعماق الجماهير عبر بهم إلى آفاق العالمية والتنمية الحقيقية، لأن المواطن هو هدفه الأول والأخير، فهو كما يقول إن المواطن في دبي هو امتداد حقيقي لأبيه وأخيه.

رئيس تحرير جريدة «الوقائع العربية»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات