الحالة اللبنانية ـ السورية انتفخت بصورة تهدد بالتحول إلى ورم خبيث. الجفاء بين الشقيقين يلامس نقطة اللا عودة. القطيعة يرتفع جدارها إلى حد الفصل الكامل. والتراشق الإعلامي والسياسي يتعنف، على الخطين.

وبما يشير إلى أن الأزمة سائرة نحو انفجار ما، إذا ما بقيت تتفاعل بمثل هذه الدينامية وهذا التزخيم. لاسيما وأن الوضع السياسي اللبناني المأزوم، بدرجة غير مسبوقة، يقف على مفترق طرق ومرشح لشتى الاحتمالات من مأزق حكومي إلى مأزق دستوري إلى تدهور أمني لا قدر الله.

أيضاً الوضع السوري هو الآخر يعيش لحظات قلق وضغوطا، سياسية ودولية، ويواجه بالتالي خيارات صعبة، إن لم تكن مفصلية. يزيد من وطأة هذه الظروف في الساحتين كما في علاقاتهما أن الوقت لم يعد حليفاً لأي منهما.

على العكس تحوّل هو الآخر إلى عامل ضاغط. مساحة شرائه ضاقت، وتكاد تتلاشى. ليس ذلك فحسب، بل إن ترابط هذه الأوضاع جميعها بات محكماً إلى حد أن أية حلحلة ممكنة لهذا الملف أو ذاك صارت مرهونة بحلحلة باقي الملفات المتعلقة بالأزمة.

إما أن تدخل رياح الانفراج من كافة الأبواب وإما ألا يتيسر تلمس طريق المخرج. فالكرة في الملعبين السوري واللبناني معاً. الواحد يتأثر ويؤثر في الثاني.

والمؤسف أن أيّاً من الجانبين لم يقو، حتى الآن، على زحزحة الكرة. ومن هنا محاولات الاستنجاد بالتعريب. ففي الأيام الأخيرة تكثفت التحركات واللقاءات واجتماعات القمة المفاجئة والسريعة. وكأن هناك إدراكاً بأن لحظة الخروج من الدوامة قد حانت، وأن الحاجة للاستدراك واستباق الاستحقاقات الهاجمة باتت ماسة وعاجلة، وإلا فالفواتير كبيرة، بل أكبر من القدرة على احتمالها. وفي ذلك انفتاح لباب الأمل والتفاؤل.

فالخطوة الأولى على طريق إجهاض الأزمة ومنع بلوغها نقطة الخراب، هي الوعي بمخاطر واقع الحال وما يختزنه من تداعيات.

لكن لابد وأن يلقى مثل هذا الوعي ترجمته على الأرض. والشرط الأساسي لذلك هو أن تكون المساعي في هذا الاتجاه، جارية خارج إطار المناورة والالتفاف، ومنصبة على إيجاد الصيغة الكفيلة بوقف التدهور ومعالجة الأسباب والأساسيات بالصورة السليمة. فإغلاق الجرح على «زغل» ليس أكثر من التهاب مؤجل له. المواجهة الصريحة الشجاعة له وحدها تقطع الطريق على عودة النزف إليه.

الأجواء مشحونة كفاية. لا تحتمل المزيد. وكل الأطراف تحذر من خطورة الموقف. والأدهى أن هناك أصواتاً تتعالى وتصدر من أطراف متقابلة في المشهد المأزوم، تفوح منها روائح الرغبة في الدفع بسياسة «عليّ وعلى أعدائي». ومثل هذه النغمة هي أقرب الطرق إلى الخراب، إذا خلت الساحة لها.