يشوب التحدث عن المستقبل العربي واستحقاقاته ضبابية الرؤية، فيتساوى فيه المنجمون والمحللون. وفي حين تحتل كتب التنجيم أعلى المبيعات، ويتحدث أصحابها في الفضائيات بثقة، يصيب تنظير المحللين السياسيين مرة، ويخيب عشرات لاعتبارات عديدة، أهمها حجب المعلومات واحتكار السلطات المؤثرة إقليميا ودوليا للحقيقة.

ولكن الغيب والواقع اتفقا على أن ''الأسوأ'' ينتظر الشرق الأوسط، لأنه يقف عند منعطف خطير من المتغيرات الدولية والإقليمية، الوجود العسكري الغربي الكبير، وهبة الإسلام السياسي، وتنامي الطائفية، والدعوات القطرية، وتراجع الفكر الليبرالي والقومي، وزيادة أسعار البترول.

وفرض الديمقراطية بالقوة.والإسلاميون هم المستفيد الأول من فرض الديمقراطية، فنجحوا بتنظيمهم واستقطابهم للقواعد الشعبية العريضة، التي لم تجد معارضة غيرهم في تراجع الأحزاب الليبرالية وتقاعس منهجها، في مصر والعراق وفلسطين بعد الجزائر، ووصلوا عبر صناديق الاقتراع.

كما بدأ الإسلاميون في إحياء دورهم والاستعداد للانقضاض على السلطة في سوريا وإسقاط نظامها حتى بمساعدة خارجية، وهو ما يهدد بانفلات أمني وصراع طائفي أشبه بما يحدث في العراق، وهو ما منعه حتى الآن قبضة البعث العلمانية وتحالفه مع إيران وحزب الله.

ووصول الإسلاميين إلى الحكم في أي بلد عربي يقلب المعادلة الأمريكية في فرض الديمقراطية مهما بررت كونداليزا رايس فوضى تطبيق الديمقراطية، وأدى إلى تنامي الإرهاب وانفلات الأمن في العراق.

وبالتالي إلى زيادة سعر البترول، وأعطت العوائد غير المتوقعة لارتفاعه قوة لإيران، لتتحدى أمريكا نفسها بعد نجاح الشيعة في انتخابات العراق، وفي حين يقف نجادي في وجهها، يزداد شعب العراق فقرا، ويتمادى حكامه الجدد في نهب ثرواته، مما أثر سلبا على اقتصاد دول جواره غير البترولية.

ويتقاطع نجاح الإسلام السياسي مع الخطط الغربية في خلق شرق أوسط جديد، مما يتطلب مزيدا من الهيمنة الأمريكية والدعم لإسرائيل وخطب ودها من الدول العربية، ولاحت تباشير هذا، حين حصر بعض القادة العرب الصراع معها بالفلسطينيين وحدهم، بل علقوا على هذا النزاع تأخر الديمقراطية العربية!

ولهذا تسابقوا للتطبيع مع إسرائيل، قبل أن تفي بالتزاماتها تجاه السلام والشرعية الدولية. وتناسوا أن القوى الغربية، كانت سبب كل الحروب العربية مع الغير، أو على حدودها المشتركة غير المرسٍّمة، ووجودها في المنطقة، يدفع بها إلى أيدي الأصولية والإرهاب.

وإذا كانت القوات الأمريكية في العراق، تكلف دولتها ما يزيد عن تريليون دولار، حتى فكر بوش في سحبها، إلا أن قواعدها الكبرى في بعض دول الخليج ستبقى.

والغريب أن هذه الدول، هي أشد المطالبين بالتغيير والتقارب مع إسرائيل وفرض الديمقراطية، وهو يطرح أسئلة محيرة، ولكنها مشروعة عن جدوى الديمقراطية في ظل القواعد العسكرية، بل وعن عدم مهاجمة بن لادن وأعوانه، لهذه الدول .

والقواعد فيها، أم تراهم يستغلونها لأهدافهم الدعائية حتى يحين دورها؟ لقد زاد نجاح حماس في الانتخابات الفلسطينية من حصار القطاع وضيق موارده لخلافها مع السلطة وانسحاب إسرائيل وإغلاق المعابر.

وأوقفت إسرائيل التفاوض مع الفلسطينيين، فثار الشباب وانفلت الأمن، نتيجة القهر وقلة الفرص والإحباط من الإصلاح الداخلي والظلم الخارجي، مما يهدد بالانفجار في أية لحظة. وإذا كانت ''الديمقراطية'' هي الواجهة التي يصر الغرب على الاختباء وراءها، لتبرير التحولات المصيرية في المنطقة.

والتي أساء تقدير شروطها واستحقاقاتها، فإن نتائج فرضها من الخارج، تحمل سلبيات تفوق كثيرا ايجابياتها، فهي ناقصة ولا تراعي خصوصية المجتمعات. ومع أنه لا يمكن تقليل أهمية الدعم الخارجي في فرض الديمقراطية، إلا ان تطبيقها، قد يزيد معاناة الشعوب كما حدث في تحول دول أوروبا الشرقية.

وليس الشرق الأوسط كتلك الدول على شفا الإفلاس، ولكنه يعاني من توزيع ثرواته، فهناك مجتمعات رفاه كما في دول الخليج، أو فقر ومنح دولية فيما تبقى، وتحكمه أنظمة عشائرية وطبقية، توزع الثروة، دون فصل بين العام والخاص، أو أحزاب ديكتاتورية ينخرها الفساد المالي والإداري والتطلعات الشخصية.

إن تطبيق الديمقراطية، يتطلب نظام حكم متكاملا، يقوم على مبادئ ومؤسسات، ضمن تعاقد مجتمعي، لتداول السلطة وممارستها، ويتطلب استقلالية ووعيا بالحقوق والواجبات تجاه الذات والآخرين.

وهو ما افتقرت إليه الأنظمة سابقا، حين قمعت الحريات ومنعت الأحزاب، وسمحت للأصولية أن تمارس دورها في استقطاب الناس، بل ودعمتها سياسيا وماليا، وأطلقت يدها في محاربة الفكر الليبرالي، وكل ما يمثله.

ونصبتها رقيبا على الإبداع والحريات، وإذا ما قدر لهذه الجماعات، الوصول إلى الحكم عن طريق الديمقراطية المشوهة، فإن ما ينتظر المنطقة، هو الأسوأ، حين تحكمها جماعات، لا تعرف حقوق الآخرين، ولا تؤمن بالحوار، وترفض كل من يعارضها.