رغم تطور الحياة التي نعيشها، ورغم رضوخها لسنة التغيير الكونية التي تطرأ على كل عناصرها، إلا أن هناك أموراً كالعيد يبقى لها مذاقها ومشاعرها الخاصة مهما اعتراها من تغيير.
فالبعض منا وإن كان يشعر سنة بعد سنة بأنه كبر على العيد وأصبح العيد صغيراً عليه، إلا انه في الوقت نفسه وهو يستعد لاستقبال العيد يشعر بنفسه صغيراً، والعيد كبير بفرحه الذي يأبى أن يمر مرور الكرام.
عيد الأضحى هو عيد الحجاج والأضاحي. هذا ما كنا نسمعه وما نعرفه منذ كنا صغاراً. وكان كل ما نراه وما نشهده من استعدادات هو خاص بالكبار وحدهم الذين ينشغلون بالتجهيز لفريضة الحج والأضاحي. وعلى الرغم من ذلك لم نحرم أنفسنا فرحة استقبال العيد بقلوب تتحين الفرص لتحظى بالفرح.
ما زال مشهد الآباء ماثلاً وهم يسوقون الخراف إلى الحي، ويحتجزونها في إحدى الحظائر للعناية بها منذ غرة ذي الحجة، حيث تصبح هذه الحظيرة المكان المفضل لأبناء الحي في كل أمسية، فمنهم من يضع الطعام لها.
ومنهم من يشاكسها، وآخرون يطلقون الألقاب عليها مداعبة لها، وفي حديث طفولي بريء يتباهى كل طفل بخراف أسرته، وتصبح بين أولئك الأطفال وتلك الخراف علاقة حميمة حتى الليلة الأخيرة التي تسبق ذبحها.
وما إن تشرق شمس صباح اليوم العاشر من ذي الحجة وبعد صلاة العيد حتى تتحول الأحياء إلى خلية ذات مظاهر لا نشهدها في عيد الفطر، فالملابس التي يرتديها الناس ما زالت هي القديمة لم تتبدل، والأطفال مازالوا يقبعون في منازلهم بانتظار انتهاء مراسيم عيد الأضحى لينطلقوا لجمع عيدياتهم.
القصاب يقوم بعمله، والرجال يهللون ويكبرون، وسيدات المنازل يستلمن الأضاحي، ويتدبرن توزيعها في حصص يقوم الأبناء بإيصالها لمستحقيها من ذوي القربى والمساكين في حركة ديناميكية منظمة، مصبوغة برائحة شواء الكبد الذي يستعد الجميع للإفطار عليه.
ورائحة سلق اللحم الذي يُعدّ للغداء، وبعد انتهاء تلك المراسم، يبدأ الناس في استقبال المهنئين ومعايدة الصغار والكبار، مترقبين عودة الحجاج لتكتمل فرحتهم بالعيد.
عيد الأضحى، هذا العيد الذي يشعر الحجاج فيه بالفرح الأكبر لم يعد العيد الذي عرفناه ونحن صغار، وعلى الرغم من أن صورته راسخة في أذهاننا، إلا أننا نشعر أن الكثير من أبنائنا لم تتح لهم معايشة أجوائه والاستمتاع بها في هذا الزمن الذي فقدنا فيه بهجة عيد الأضحى التي صنعها الآباء لنا واحتفوا بها أكثر منا.
لاسيما وأكثرنا يرى ذلك أمراً حتمياً فرضته سنة التغيير التي طرأت على كل شيء فلا نملك سوى الامتثال لها. لكننا نقول إن سنة التغيير تلك كان بالإمكان إخضاعها لنبقي من خلالها على عادات وطقوس أسعدتنا ونحن صغار.
وكان بإمكانها أن تسعدنا أكثر ونحن نرى أبناءنا يعايشون ما عشناه دون أن نسهم في انتقاص حقهم في أن يعرفوا على الأقل اختلاف عيد الأضحى وتميزه عن سائر الأعياد التي يحتفلون بها طوال العام رغم أن ليس لها قيمته وفضله. فكيف نعيد كآباء وأمهات لعيد الأضحى بهجته التي حرم أبناؤنا منها؟
maysaghadeer@yahoo.com