دمشق من السعي إلى السلام إلى طلب السلامة ـ د. محمد الرميحي

دمشق من السعي إلى السلام إلى طلب السلامة

لا يوجد عربي عاقل يتمنى لدمشق هذا المأزق السياسي، فمأزق سوريا اليوم ليس تحرير مرتفعات الجولان المحتلة الذي طال انتظاره، كما كانت الأمور حتى عام مضى، حيث كانت الإستراتيجية الأوسع استخدام ظروف لبنان الدولية واللوجستية للضغط من اجل (وحدة المسارين) كما شاع. مأزق سوريا اليوم هو لبنان، وهو مأزق كلما حاولت دمشق الإفلات منه زادت تورطا فيه.

مأزق دمشق الحالي حذر منه كثيرون، وعلى الملأ، ولكن التحذير المكتوب والمنشور لم يجد صدى، استعيض عنه بالتقارير السرية والصور المشوهة. قبل عام كانت دمشق في بيروت منتشية، واليوم تريد دمشق أن تتخلص من شبح بيروت دون جدوى، وكلما حاولت غاصت أكثر.

تصريحات نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام، خدمت البعض، كونها جاءت في توقيت مناسب ومن شخصية مهمة، ولقضية ساخنة، يهتم بها جمهور عربي واسع، وهي قضية الاغتيالات السياسية التي يسميها البعض عن حق بقضية الحريات.

الجمهور العربي يعرف أن تصريحات النائب السابق تقع تحت سقف من (يأكلون الغلة ويشتمون الملة) فنائب الرئيس السابق ليس امرأة قيصر، بل أن الكثيرين في صفه ومن شيعته السابقين ليسوا امرأة قيصر كذلك، سواء خرجوا من دمشق اليوم وهم الأقلية، أو ما زالوا فيها وهم الأكثرية. إنما هو التوظيف السياسي صاحب الكأس المعلى في هذه الفترة.

فلم يعد المراقب العربي ساذجا أو مُؤدلجا إلى درجة يعمى معها عن فهم الأمور، كلها وليس بعضها. نائب الرئيس يتحدث عن عصر (منطفئ الحريات) وكان رجاء كثيرين ممن يعشقون الشام وأهلها، أن تخرج الشام من ذاك العصر إلى عصر النور والحرية، بعد أن تبدلت الأزمان، إلا أنهم فوجئوا انه عصر يرتكب الأخطاء بعد الأخطاء.

وليس بغريب لمن يغشى منتديات بيروت منذ سنوات أن يشعر بتململ في مختلف الصفوف من ضغوط الأخ الأكبر. الظاهرة يعرفها الجميع بمن فيهم آذان دمشق في لبنان، إلا أن الآذان كانت صماء لا تريد أن تسمع غير ما ترغب في سماعه. لقد كان هناك من البعض اللبناني من يظهر مشاعر (وحدوية) فياضة وسلوكاً مخالفاً يتأفف من (الأخ الأكبر).

ويطلق في نفس الوقت قوارص اللسان، هذا التناقض لم تحله النخبة اللبنانية بعد، ولم تستطع أن تؤسس للخلاف وتعبر الجسر للتحاور. فتصريحات بعض اللبنانيين حتى حينه، محيرة على اقل توصيف.

في الوقت الذي تدين فيه (نظام امني سوري لبناني) تتحدث عن أخوة (عربية)، وحتى الآن لم يطرح الفارق الأساس بين (دكتاتورية) فئة ضيقة تجاوزها الزمن، ومطالب ديمقراطية واسعة يرغبها جمهور عريض من العرب الجدد وفي أي بلد ومنها لبنان وسوريا.

حقيقة الأمر، لم تفعل السلطة السورية في لبنان أكثر مما فعلت تجاه جمهور عريض من شعبها، لقد حاولت أن تصدر النموذج، إلا أنها غلفت سلوكها السياسي برغائبية وتصور مثالي للتحرير والضغط من الخاصرة اللبنانية، لعل شيء يتحرك على جبهة الجولان. وأصبح في لبنان شريحة مؤيدة لهذه الرغائبية تحدوها ظروف وعوامل خاصة.

وشريحة أخرى أوسع تقدم الدعم اللساني (لضرورة المقاومة). هذه الثنائية التي لم تحل بعد لبنانيا، ربما أرسلت رسالة إلى دمشق (الغضة) بإكمال الإستراتجية، وهي حرب الآخرين على ارض الآخرين.

لم يتبين لأحد ضعف وهشاشة هذه الإستراتيجية، حتى بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري، فأصبحت الأطراف المعنية تتخبط في ردود فعل لصورة عامة وهمية رسمتها هي وصدقتها.

وبدا الملف المفتوح يُخرج غثاءه، فتمت سلسلة من الاغتيالات أو محاولة الاغتيالات علها توقف الانحدار، ومع كل اغتيال وما يليه تتدحرج القضية إلى الأسفل، حتى خروج تصريحات نائب الرئيس السابق.

من تابع جلسة مجلس الشعب السوري في (تقريع) الأخ النائب يرى بوضوح، وهو ليس بعيدا عن (المدرسة) نفسها التي كان السيد النائب نفسه، إبان تألقه، تألفه ويألفها، ويكيلها للآخرين في الاجتماعات العربية.

إلا أنها زادت في الجلسة التي أذيع بعضها على تلفزيونات عربية من مجلس الشعب السوري، حيث أريد فيها إدانة النائب بإدانة النظام السابق واللاحق! يتساءل البعض أن كنتم تعرفون عن كل هذا الفساد السابق وانتم صامتون.

السؤال ليس عن الماضي، بل عن المستقبل، فكيف تخرج سوريا من المأزق؟ المعادلة بسيطة وممتنعة عن الحل، فدمشق يبدو أنها ترى في رأب الصدع هو (طمس الحقيقة)، وبيروت ترى رأب الصدع في معرفة (الحقيقة)، تناقض الطمس مع المعرفة يشكل واقع أزمة الاستعصاء.

عربيا لا مراهنة على موقف عربي، مع الاحترام لشخوصه، فالتدخل النشط تقف أمامه عقبة هي العلاقة بين الطمس والمعرفة، وهو نفس السؤال العالمي الذي تسأله العواصم الأخرى؟

وكل الوصفات الممكنة لا يبدو أن دمشق في جو القبول بها، لا معرفة من دبر ونفذ، وهو الملف الأسهل، ولا في الملف الأهم، وهو إشاعة جو إصلاحي حقيقي لا يبخس أهل الشام أشياءهم. هذه المعادلة تكمن تحت كل الشعارات اللفظية، من تحرير أو مقاتلة، وتظهر أن البحث الحقيقي هو إيجاد دهاليز لإنقاذ سوريا.

يخطئ من يظن في دمشق أن هناك أوراق يمكن أن تستخدم، وخاصة في لبنان، لقد تبين في مدى الشهور الأثنى عشر الماضية أن كل ورقة تستخدم تأتي بمردود عكسي تماما، وما أصبح أمام دمشق في مأزقها اللبناني إلا أن تعترف بخسارتها وتتوقف عن الخسارة الأكبر.

معركة الإعلام السوري لن تربحها دمشق ليس لقلة الذكاء لدى السوريين، ولكن لان الإعلام الجيد يحتاج إلى ثلاثة عوامل، صُدقية عالية، ومنهجية مجبولة على الحريات، ورجال مهنيون وليس موظفين! وهي حتى اليوم تفتقد الثلاثة في الغالب.

المأزق السوري ليس بهين، وقواعد الاشتباك التي قُررت حتى اليوم في دمشق، تحتاج إلى إعادة نظر جذرية وشجاعة، فسياسة تأديب لبنان تفضح أدب الدولة الشامية، وبالروح بالدم لم يحقق للآخرين نصرا حتى يحققه اليوم لدمشق.

كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات