تحتاج أنظمة الحكم المختلفة، بغض النظر عن نوعها وتركيبها وأهدافها، إلى شرعية سياسية لتحكم وتشعر بالأمان وتستحوذ على قدر من ثقة الشعب بها، وذلك حتى يكون باستطاعتها القيام بواجباتها بانتظام.
وبالرغم من تنامي التوجه العالمي العام نحو الديمقراطية الغربية واعتماد الانتخابات الشعبية المباشرة مصدراً وحيداً للشرعية السياسية، إلا أن للشرعية مصادر أخرى قد لا تكون بقوة المصدر الديمقراطي القائم على الانتخابات، إلا أنها مصادر يمكن الارتكاز إليها والاعتماد عليها ولو مرحليا.
وذلك حتى يحصل نظام الحكم على الشرعية السياسية التي تمليها الظروف الدولية والتوجهات الشعبية. وبوجه عام يمكن تحديد مصادر الشرعية السياسية في المصادر الخمسة التالية:
1ـ الانتخابات الشعبية الحرة المباشرة.
2ـ العقيدة السياسية ـ الاجتماعية كالقومية والاشتراكية الماركسية.
3ـ العقيدة الدينية.
4ـ التجاوب المباشر والفعال مع الاحتياجات الشعبية والتطلعات الوطنية في مراحل تاريخية معينة كمراحل الثورة من أجل الحصول على الاستقلال.
5ـ الوراثة.
يمكن القول إن جذور الفلسفة الديمقراطية الحديثة تعود إلى كتابات فلاسفة السياسة في القرنين السابع عشر والثامن عشر في الغرب، خاصة في أوروبا التي كانت في حينه تحتفل بالانتصار على الكنيسة الكاثوليكية وبالتحرر من هيمنة الدين على السياسة وغيرها من أوجه الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
ولقد اتجه ابرز الفلاسفة السياسيين في ذلك الوقت إلى التركيز على الحريات العامة والتأكيد على مسؤولية الدولة في حماية الحقوق الفردية للمواطنين من هيمنة الدين، ومن استغلال رأس المال، ومن تسلط الحكومات والحكام على الناس.
وهذا يعني أن أولئك الفلاسفة رأوا أن أجهزة الدولة والمؤسسة الدينية ورأس المال الذي لا يخضع لمعايير أخلاقية ووطنية تشكل مصادر خطر تهدد الحريات الفردية وتستدعي قيام الدولة بحماية تلك الحريات في مواجهة الأخطار المحدقة بها.
إن فصل الدين عن الدولة والذي كان قد تحقق في أواسط القرن السابع عشر كجزء من معاهدة وستفاليا التي أعلنت نهاية الحروب الدينية كان البداية الحقيقية للاعتراف بالحقوق الفردية، وسببا في ذات الوقت في ظهور مخاوف كبيرة من احتمالات قيام الدولة بالاستيلاء على سلطات الكنيسة ومصادرة حقوق المواطنين.
لذلك اتجه الفلاسفة السياسيون إلى المناداة بضرورة تحديد سلطات الدولة ووضع حد لتدخلها في شؤون الناس، خاصة فيما يتعلق بحرياتهم الاجتماعية وسعيهم للكسب المادي والتمتع بالحياة كما يريدون. وبالرغم من أهمية وشرعية تلك الدعوات، إلا أن الحكومات ترددت كثيرا في الاستجابة لها.
وإن كانت سعيدة بتوجه الناس نحو التركيز على القضايا الحياتية والمادية بعيدا عن القضايا الدينية، وذلك لأن الكنيسة في حينه كانت، وبالرغم من هزيمتها، لا تزال في موقع مجتمعي قوي وقادرة على تهديد الدولة العلمانية.
لكن بعد أن استكملت الدولة بناء مؤسساتها الرئيسية حاولت الدولة الاستيلاء على سلطات الكنيسة والحد من الحريات الفردية، ألا أنها ووجهت بثورات شعبية عارمة أجبرتها على التراجع.
ومما ساهم في تعزيز الديمقراطية في المجتمعات الغربية استمرار التقدم الاقتصادي في المجتمع الرأسمالي بشكل عام، وتبلور طبقة متوسطة قوية وعلى درجة كبيرة من الوعي وذات مصلحة حقيقية في حماية العملية الديمقراطية.
وذلك لأن تلك العملية كانت ولا تزال الإطار المجتمعي الأهم لحماية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية. وهذا بدوره مكن العملية الديمقراطية من الاستمرار في الاستحواذ على المزيد من الشرعية، وذلك حتى النصف الثاني من القرن العشرين حين أصبحت العملية الاقتصادية العملية المجتمعية الأهم والأقدر على توجيه حركة المجتمع.
ولقد تبع ذلك دخول الديمقراطية مرحلة من التراجع المستمر كنظام حكم يستهدف حماية الصالح العام وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص في المجتمع. لكن الديمقراطية كفكرة وفلسفة مجتمعية كانت، خاصة بعد القضاء على الحركتين النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية.
قد رسخت جذورها في وعي الناس وبنية المجتمع الثقافية، مما أدى إلى استمرار حيوية العملية الانتخابية، وإن كان الأمل في الإصلاح والتغيير قد بدأ يتضاءل في كل المجتمعات الديمقراطية مع حلول السبعينات من القرن الماضي.
إن اطمئنان الشعب إلى حصول الانتخابات بصفة دورية منتظمة، وإلى أنه يملك، ودون غيره، حق تغيير الحكومات من خلال العملية الانتخابية أدى إلى إضعاف نزعة التغيير باستخدام أساليب غير ديمقراطية، أي باستخدام أساليب عنف ثورية، وذلك لأنه لم يعد هناك حاجة للثورة أو مبرر لاستخدام العنف.
ولهذا أصبحت نظم الحكم الديمقراطية أكثر النظم استقرارا وأمنا وحرية، كما أصبحت المجتمعات الديمقراطية اقل المجتمعات ممارسة للعنف السياسي، وبالتالي ميلا لاستخدام القوة العسكرية لحسم الصراعات السياسية والعقائدية الداخلية.
إلا أن هذا لا يعني أن الديمقراطية حققت للشعوب الغربية كل ما كانت تصبو إليه من امن واستقرار ورفاه اجتماعي، وذلك لأن الديمقراطية، وإن كانت تتمتع بالكثير من المزايا، إلا أنها تعاني من العديد من العيوب.
وهنا تجدر الإشارة إلى القول المشهور للزعيم البريطاني ونستون تشرشل حين سئل عن الديمقراطية، إذ قال: «الديمقراطية نظام حكم سيئ لكن كل الأنظمة الأخرى أكثر سوءاً».
من ناحية أخرى، أدى إحساس الشعب بالاطمئنان للعملية الديمقراطية وسيادة الاستقرار السياسي واستمرار تحسن الأوضاع الاجتماعية والمعيشية في كافة الدول الديمقراطية بوجه عام إلى جعل عملية الانتخابات عملية روتينية إلى حد كبير. ولقد تبع ذلك تراجع المشاركة الشعبية في الانتخابات الدورية.
ونجاح فئة نخبوية في الاستيلاء على مقاليد الحكم بطرق مشروعة، واتجاه تلك النخبة إلى تداول السلطة بين إفرادها بطرق سلمية، وإقامة التحالفات السياسية ومؤسسات البحوث الفكرية لترويج أفكارها والقيام بالاستيلاء على السلطة، وإلى احتكارها أحيانا، وذلك دون الإخلال بمظاهر العملية الديمقراطية أو ترتيبات العملية الانتخابية.
إن حدوث تلك التطورات السلبية أدى، وكما سنوضح في مقالات مقبلة، إلى تراجع دور العملية الانتخابية في تحصين الديمقراطية من العبث السياسي والتطرف الإيديولوجي، كما أدى أيضا إلى إضعاف قدرة كل نظم الحكم الديمقراطية على حماية الحريات الفردية والحقوق الشخصية، خاصة حقوق الأقليات العرقية.
وليس هناك من مثال على هذا التطور السلبي أفضل مما حصل في أميركا خلال إدارة الرئيس جورج دبليو بوش من قرارات للحد من الحريات الفردية والتجسس على المواطنين على مدى السنوات الأربع التي تلت الأعمال الإرهابية على الأراضي الأميركية في العام 2001.
ومع تتابع الحكومات المنتخبة وبقاء الأوضاع السياسية على حالها تراجعت المساهمة الشعبية في الانتخابات، وبالتالي قدرة الشعب على الإسهام الفاعل في اتخاذ القرارات المصيرية وتعزيز حقوقه السياسية وغير السياسية.
ولقد عبرت جريدة «الواشنطن بوست» عن هذه الحالة الأميركية في إحدى افتتاحياتها بالقول: «إن المشاركة في الانتخابات واجب وطني، لكن الأمل في التغيير شبه معدوم».
إن تراجع المشاركة الشعبية في الانتخابات لم يؤثر كثيرا على العملية الديمقراطية أو يضعف شرعية النظم المنتخبة، لكنه أدى إلى تمادي النخب الحاكمة في اتخاذ الإجراءات وسن القوانين التي تخدم أهدافها وتعزز مصالحها على حساب الأغلبية الشعبية.
ولقد نتج عن ذلك اتجاه النخب الحاكمة إلى إهمال الأقليات والضعفاء عامة، مما تسبب في انتشار الفقر والتشرد وارتفاع نسبة البطالة والجريمة، خاصة في الأحياء الفقيرة وبين الأقليات العرقية.
وهذا بدوره شجع قطاعات غير قليلة من الشعب على ممارسة التفرقة العنصرية ضد تلك الأقليات والتصرف على أساس أنها تشكل عبئا على المجتمع، وتسبب بالتالي في وقوع اضطرابات عديدة في كل المجتمعات الديمقراطية، كان آخرها وربما أهمها الاضطرابات التي عمت العديد من مدن فرنسا في أواخر العام 2005.
professorrabie@yahoo.com
أكاديمي أميركي من أصل عربي