إنه زمن العجب. فنحن سائرون إلى أيام سوف نكون فيها مطالبين بالاعتذار إلى من احتلوا أرضنا واستباحوا حرماتنا ونهبوا ثرواتنا، وإلا فسوف نكون جميعاً من الإرهابيين والبرابرة الذين لا يحفظون الجميل ولا يدركون قيمة التضحيات التي قدمها من «استعمروهم» والذين لم يمارسوا كل موبقات الاحتلال إلا من أجل فعل الخير وانتظار الثواب في الدنيا والآخرة معا!!.
وطوال سنوات كنا نحذر من محاولات تهميش الذاكرة الوطنية باعتبارها الخطر الأكبر الذي يطمس هويتنا ويهدد وجودنا كأمة تبحث لنفسها عن مكان تحت شمس الحضارة الإنسانية.
وكان الرد علينا دائماً أننا نريد أن نسجن الأمة في ماضيها، ولم يكن هذا صحيحاً على الإطلاق، فالذاكرة التي نريد أحياءها ونصر على مقاومة محاولات تهميشها هي الذاكرة التي احتضنت مشروع الأمة للنهوض من كبوتها.
والتي أدركت أن المعنى الحقيقي لوجودها أن تكون جزءاً من حضارة الإنسانية التي كانت يوما من صانعيها ولابد أن تعود لتكون كذلك.. بالعلم والحرية وكرامة الإنسان وإنهاء الاستبداد الداخلي والقهر الخارجي في كل مكان على الأرض العربية.
تاريخ العرب (وتاريخ العالم كله) خلال قرون النهضة الغربية المستمرة حتى اليوم كان صراعاً بين دول استعمارية تنهب شعوب أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية لتبني نهضتها هي وتحقق تقدمها.
وعلى الجانب الآخر كان نضالاً مريراً من شعوب هذه القارات من أجل الحرية والاستقلال. وكان الثمن غالياً مازال حتى الآن يعوق تقدم هذه الدول بفعل الاستنزاف الذي تم، وبفعل نظام عالمي تم بناؤه كي يضمن استمرار تفوق المتفوقين وتخلف المتخلفين.
مع تنامي نظام العولمة بالصور التي يتم بها وظهور نتائجه السلبية على الشعوب النامية، تصاعدت دعوات المعارضة والدعوة لعولمة إنسانية تحاول أن تجعل العالم كله قرية واحدة كما يقال، يتشارك فيها الجميع في فرص التقدم والازدهار.
ومع تنامي هذه الحركات الشعبية ظهرت الدعوة إلى تعويض الدول النامية عن سنوات الاستعمار الطويلة التي تركتها في القاع بعد استنزاف ثرواتها وفرض التخلف عليها، ولكن الدول المتقدمة رفضت ذلك رفضاً قاطعاً ورفضت تحميلها أي مسؤولية عن عقود الاستعمار الطويلة.
واكتفت بوعود بتقديم بعض المساعدات للدول النامية حتى لا تجتاحها المجاعات ويفتك بها الإيدز أو تتحول إلى قوى طاردة لسكانها بما يهدد استقرار السادة في دول الشمال!
كل هذا كان منتظراً في إطار غطرسة القوة مع نظام عالمي أحادي القطبية يمتلك الأسباب لفرض إرادته على العالم. ولكن الأمر يخرج الآن من «الغطرسة» إلى «الوقاحة»، ومن التلاعب بالاقتصاد إلى اهانة الحقيقة وتزوير التاريخ والعودة بالعالم (بالحقيقة لا المجاز) إلى شريعة الغاب!
فمع انشغال العالم منذ أحداث سبتمبر على الأقل بجهود الولايات المتحدة الأميركية لإضفاء الشرعية على حروبها وما تشمله من احتلال لدول وتدمير لها.. مرة بدعوي محاربة «الإرهاب» التي ترفض حتى الآن كل الجهود لوضع تعريف محدد له، ومرة بدعوى فرض الديمقراطية التي تنهار داخل الولايات المتحدة نفسها، تأتي المفاجأة الآن من فرنسا التي تنشغل منذ فترة بمعركة ثقافية طاحنة حول إعادة كتابة تاريخ فرنسا.
وهي المعركة التي تجري في ظل الجدل حول قانون عرف باسم قانون 23 فبراير، تضمنت مواده ضرورة «الإشارة إلى المزايا الايجابية للاستعمار، وضرورة تدريس ذلك لتلاميذ المدارس الفرنسية»!!
أصحاب الضمائر من المثقفين الفرنسيين مذهولون من عدم أخلاقية القانون الجديد الذي يهدر كل القيم التي عاشت عليها فرنسا منذ ثورتها من أجل الحرية والمساواة.
ولكن الأمر ـ على الجانب الآخر ـ لم يكن مفاجئاً للكثيرين الذين كانوا يتابعون نمو الأفكار اليمينية والتيارات المتعصبة التي أوصلت لوبان النازي إلى مرحلة الإعادة في انتخابات رئاسة فرنسا، والتي قادت المجتمع الفرنسي إلى الانفجار الأخير في أحيائه الفقيرة، أما بالنسبة لنا فالقصة تختلف.
قبل أعوام فوجئ المثقفون المصريون باحتفالات ترعاها أجهزة الدولة الثقافية بمناسبة مرور مئتي عام على الحملة الفرنسية على مصر!! وتم الترويج للاحتفالية باعتبارها الحدث الذي مثل الصدمة للوعي الثقافي المصري والعربي بعد عقود طويلة من سيطرة الأفكار المتخلفة.
وحكم المماليك والأتراك الذي أورث العرب الضعف والتخلف وهو احتفال برياح التقدم التي جاءت مع الحملة الفرنسية التي لم تكتف بالمواجهة بين مدافعها المتقدمة وسيوف المماليك، وإنما جاءت معها بالمطبعة وبالعلماء الذين قدموا بنظرة علمية لم تكن الدراسة بالأزهر الشريف قد اقتربت منها حتى ذلك الوقت.
لكن ذلك كله لم يقنع أغلبية المثقفين المصريين بأن عليهم أن «يحتفلوا» بقوة غزو استعمرت بلادهم في ظل صراع الإمبراطوريات القديمة للسيطرة على المنطقة. ورأوا في ذلك إحياء لنظرة استعمارية سادت القرون الوسطي، واستمرت بعد ذلك مع الاحتلال البريطاني لمصر الذي دام سبعين عاما.
والذي كان يبرر وجوده بأنه استطاع تحديث الزراعة وتحقيق الاستقرار المالي دون أن يقول إن ذلك تم من أجل توفير الأقطان للمصانع الانجليزية، ولتأمين الطريق إلى الهند والسيطرة على مداخل أوروبا من البحر المتوسط، أما شعب مصر فقد بقي ـ مثل كل الشعوب العربية ـ يعاني تحت الاحتلال من الفقر والمرض وإذلال أن تحكم بأجنبي!
أيضا، وفي الإطار نفسه ـ تدور منذ سنوات في مصر معركة حول تمثال!! والتمثال للمهندس الفرنسي ديلسبس الذي اقنع حاكم مصر بحفر قناة السويس، وقد تم نسف التمثال الذي وضع على مدخل قناة السويس من جهة البحر المتوسط في مدنية بورسعيد أثناء العدوان الثلاثي البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي على مصر عام 1956.
وهو العدوان الذي كان فشله إيذاناً بنهاية الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية وبدء موجة التحرر والاستقلال في العالم العربي والعالم الثالث.
منذ سنوات، وهناك حملة لا تنتهي لإعادة التمثال إلى مكانه، وكان البعض يرى في البداية أن الحملة جزء من الثأر من عبد الناصر الذي قاد معركة 56، ولكن الأمر تعدى ذلك، فالمطلوب ليس فقط تهميش الذاكرة الوطنية والقومية.
ولكنه أيضاً جزء من حملة إعادة الاعتبار لعصر كامل من الاحتلال الذي لم يكتف فقط بالسيطرة العسكرية، بل كانت السيطرة على الموارد الاقتصادية أحد أهدافه الأساسية.
والذي يدرك أن استعادة مصر للسيطرة على قناة السويس التي كانت دولة داخل الدولة حتى حرب 56، كانت المدخل الطبيعي لاستعادة العرب سيطرتهم على بترولهم الذي كان منهوباً لسنوات وبأبخس الأسعار ولاستعادة باقي شعوب العالم الثالث لسيطرتها على مواردها المنهوبة.
ليس المطلوب إعادة التمثال لأن صاحبه كان وراء مشروع القناة، ولكن الأهم أنه كان وراء احتلال مصر بعد ذلك حين سهل مرور قوات الاحتلال بالقناة، والأكثر أهمية أنه الذي خدع مصر واستولى على نصيبها في ملكية القناة لتصبح تحت السيطرة الفرنسية الانجليزية حتى تم تأميمها لتبنى مصر من حصيلتها السد العالي وتدشن عصراً جديداً لها. .. وللمنطقة.
وما حدث في مصر حدث مثله في أقطار عربية عديدة، والقصة لا تتعلق بصراع حول الماضي بل بصراع حول الحاضر والمستقبل. ففي ظل نظام عالمي يسعى للسيطرة على مقدرات البشر وتسخيرها من أجل استمرار وسيطرة الأقوياء، تصبح إعادة الاعتبار للاستعمار القديم هي المدخل الطبيعي للقبول بالاستعمار الجديد القادم فى إطار العولمة .
والمبشر باحتلال جديد لن يكون هدفه ـ لا سمح الله ـ هو قهر الشعوب واستنزاف ثرواتها والسيطرة على مقدراتها، ولكن نشر قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.. كما حدث في فلسطين والعراق!!.
مطلوب منا ـ في زمن العجب ـ أن نعتذر للذين احتلونا ونهبوا ثرواتنا في ظل استعمار قديم، وأن نرحب بالقادمين الجدد لكي يلعبوا نفس الدور، وأن نبقى دائماً على ضعفنا وهواننا مكتفين بأن نواصل على الدوام القراءة في صفحات كتاب يتم تدريبنا عليه منذ قرون عن فوائد الاستعمار المفترى عليه!!
نقيب الصحافيين المصريين