ليس عيباً أن تخطئ، لكن الجريمة الكبرى أن نصر على الخطأ، ونرفض المراجعة والنقد الذاتي، ونتجاهل الاعتراف بالذنب والإقرار بتحمل المسؤولية والاعتذار حتى لو كان ذلك بأثر رجعي.

هذا بالتحديد ما حاول أن ينصح به الكاتب والمفكر الأميركي المعروف نعوم تشومسكي ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش، وشبه البعض دعوته مثل صوت في العاصفة، عندما طالب بوش بالاعتراف بالخطأ الذي ارتكبته في حرب العراق.

وقال تشومسكي المنتقد دائما للسياسات الاميركية «إنه كان متوقعا من قبل أن غزو العراق سيزيد من تهديدات الانتشار النووي وتهديدات الإرهاب، وقد حدث الأمران في الواقع».

وأضاف في تصريحات أخيراً: «كان الغزو درسا تعلمه الفرقاء، وهو أن عليك أن تطور سلاح ردع نووي، وإلا ستهاجمك الولايات المتحدة وبريطانيا اذا اعتقدت أنك لا تستطيع الدفاع عن نفسك. وهو درس تعلمته الدول».

وعن مسوغات تبرير الحرب على العراق، والتي تغيرت عما كان يقال قبل الحرب، قال تشومسكي: «ذهب بوش وبلير إلى الحرب على أساس ما وصفوه مراراً بالسؤال الوحيد، وهو هل سيتخلى صدام عن أسلحة الدمار الشامل لديه؟ وجاءت الإجابة عن السؤال في غضون أشهر، بأنه لا توجد أسلحة دمار شامل.

وفجأة تغيرت الصورة وتغيرت الحجة، ولم تعد أسلحة الدمار الشامل. لقد دخلنا العراق بسبب ما تسميه الصحافة مهمة بوش لجلب الديمقراطية للعراق والشرق الأوسط. وهكذا أصبح ذلك هو الشعار في الغرب، لكنه في الغرب وحده».

كشف الحقيقة كما فعله تشومسكي، يأتي في سياق محاولات حثيثة من قبل مثقفين ووسائل اعلام اميركية، للاعتراف بأن ما تم في العراق كان خدعة كبيرة، ولعلنا نذكر في هذا الصدد الاعتذار الصريح للقراء الذى قدمته صحيفة »واشنطن بوست« الأميركية التي كانت من أشد المتحمسين للحرب على العراق.

والنقد الذاتي للمواقف التي اتخذتها، وتصديقها من دون تفحّص وتمحيص للحجج والمبررات التي رفعتها الإدارة الأميركية لتبرير الغزو وانتهاك سيادة بلد عربي مستقل.

وذكرت الصحيفة على لسان ليونارد داوني مسؤول التحرير :«كان كل تركيزنا على توقع ما تفعله الإدارة الأميركية بحيث اننا لم نعط الفرصة نفسها للأشخاص الذين كانوا يقولون إن الذهاب الى الحرب ليس بالفكرة الصائبة، وكانوا يشككون بعقلانية قرار الإدارة»، مضيفاً: «لم يظهر ما يكفي من تلك المقالات على الصفحة الأولى، كان ذلك خطأ من جانبي».

أما توماس ريكس مراسل وزارة الدفاع الأميركية في الصحيفة فقد قال: «تأكيدات الإدارة كانت على الصفحة الأولى، التصريحات والمعطيات التي تشكك بتلك التأكيدات كانت تظهر في الصفحات الداخلية، وكان موقف مسؤولي التحرير يقوم على التالي: اننا ماضون إلى الحرب، فلماذا نقلق بشأن كل تلك المادة المعارضة؟ ».

لاشك أن هذه المراجعة والنقد الذاتي والاعتراف بالخطأ، ليس عيباً على الاطلاق، أو أمراً شائناً يقلل من مكانة وسمعة المثقفين ووسائل الاعلام، وإنما هو دليل على التعافي الفكري والثقافي الذي يتمتعمون ويتميزون به.

إن خطوة تشومسكي فى تعرية الحقائق واعتذار الصحيفة الأميركية تكشف لنا عن المسؤولية الحقيقية للمثقفين ووسائل الإعلام، وهي نقل الصورة من كافة جوانبها، والابتعاد عن التحيز لموقف وتوجه ضد آخر، وتوصيل كافة المعلومات للجمهور الذي عليه أن يحدد اتجاهاته ويختار المكان الذي يريد أن يقف فيه، بدون إجبار أو إكراه له على تبني مواقف محددة.

هذا هو الأمر الذي ينبغي أن يتفهمه ويمارسه جميع العاملين في حقل الإعلام، الذين عليهم الابتعاد عن محاولة فرض الوصاية على المتلقي الذي يرفض البعض حتى هذه اللحظة الاقتناع بنضوجه وقدرته على التمييز بين الخبر والرأي والحقيقة والكذب والعمق والسطحية في المواد الإعلامية التي تقدم له.

أما إذا أصر البعض على تجاهل نضوج المتلقي، فإن ذلك يعد بداية لانهيار المنظومة الإعلامية التي يعمل بها.