لا يخفى على أحد في الوطن العربي الكبير أن عام 2005 شهد الكثير من التطورات الكبيرة والخطيرة ابتداءً من العراق المحتل من قبل القوة العظمى مروراً بملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي وهو ملف قديم جديد وانتهاءً بالأحداث التي طرأت على الساحة اللبنانية.
والتي لا تزال تتطور وتتشكل في ظل جو من الغموض والتساؤل حول مستقبل لبنان وعلاقته الإقليمية عربياً وغير عربي. إن عام 2005 لم يكن في واقع الأمر إلا استمراراً للتمزق العربي تحت وطأة الضغوط الخارجية المعادية.
وحالة الضعف الموروثة من عجز الكيانات وضعف أدائها، الأمر الذي يهدد بتفاقم الانقسامات والانشراخات السياسية والاستراتيجية بين الأقطار ذات المصير المشترك والجغرافيا الواحدة ووحدة اللغة والنسيج الاجتماعي.
ولكن الأحداث التي طرأت على لبنان في عام 2005 تميزت عن غيرها من الأحداث في المنطقة لما لها من أهمية قصوى ترتبط ارتباطاً مصيرياً بالأحداث التي تجري بفلسطين من جهة وبالأحداث التي تتبلور بشكل عام في العالم العربي، سواء كان هذا في العراق ومنطقة الخليج العربي.
أو ما وراء الحدود العربية الشرقية للخليج العربي أو الدول العربية المجاورة لإسرائيل التي لا تزال تعيش حالة حرب معها. إنها أحداث تتشابك في جذورها .
وطبيعتها مع المشروع المقاوم للسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط والعلاقات الإسرائيلية الإقليمية التي بدأت قبل عام 2005 بكثير ولكنها أصبحت تتبلور بشكل صريح وعلني باتجاه التطبيع وبناء علاقات دبلوماسية قبل الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية والجولان السوري المحتل.
فليس غريباً أن يستثمر دم الشهيد رفيق الحريري من قبل واشنطن وحلفائها في المنطقة وتحديداً إسرائيل وبعض الأطراف في لبنان للإعلان عن أن الوقت قد حان لإسدال الستار على مرحلة تاريخية هامة كانت خصائصها الأساسية تكمن في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
وتحرير الأرض وإطلاق سراح المعتقلين في السجون الإسرائيلية وضرب اسطورة الأمن الإسرائيلي وتحجيم الدور السياسي الذي تلعبه أو تريد أن تلعبه إسرائيل في لبنان والمنطقة بأسرها.
لقد أصبح الأمر الآن عند «المعارضة» في لبنان هو محاصرة المقاومة ثم تفكيكها وكأن المقاومة كانت السبب للأوضاع التي آل إليها لبنان والشعب اللبناني، وليست هي التي أنجزت ما لم تنجزه الجيوش والعروش والدبلوماسية والمفاوضات السياسية وغيرها من الآليات المتوفرة لبني البشر.
إن أطرافاً مختلفة في لبنان وخارجه تعلن باستمرار وبدون كلل أنه لا يمكن ترك مستقبل سلاح المقاومة غامضاً، وإن المطلوب تحديد سقف زمني وتحديد وظيفة المقاومة حتى تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وإطلاق سراح المعتقلين، وإنه بعد هذا التاريخ لن يكون هناك مبرر لاستمرار سلاح المقاومة.
وعندما يتم التساؤل حول كيفية التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية قبل أو بعد تحرير مزارع شبعا يخرج البعض في لبنان ويسأل: وهل يبقى سلاح المقاومة إلى الأبد؟
أما واشنطن وتل أبيب فهما تسعيان علناً لتفكيك المقاومة كخطوة أولى نحو مشاريع سياسية أكبر وأعظم تتضمن ملفين هامين هما توطين الفلسطينيين وإخراج لبنان من دائرة الصراع العربي - الإسرائيلي.
وهذا من شأنه أن يزيح حلقة هامة، إن لم تكن الأهم، من حلقات فرض الحل السياسي الإسرائيلي - الأميركي للقضية الفلسطينية الذي بدأ يتبلور في فلسطين من خلال بناء «الجدار» الذي قد يمثل الحدود النهائية لدولة إسرائيل.
ولذلك فقد يشهد لبنان والعالم العربي في العام الجديد تطوراً نوعياً يتمثل بانسحاب إسرائيلي مدعوم من واشنطن والعواصم الغربية الأخرى وبإشراف الأمم المتحدة من باقي الأراضي اللبنانية ضمن استراتيجية تهدف لحصار المقاومة في لبنان.
وانتزاع الورقة الأخيرة التي تضمن شرعيتها من المقاومين والأطراف الإقليمية الداعمة لهم، وبالتالي تتحول المقاومة إلى ملف لبناني داخلي صرف يجب التعاطي معه بشكل حاسم من قبل الدولة اللبنانية لتفادي أي تطور دولي بهذا الخصوص.
إن حدوث مثل هذا الأمر الهام لابد له من أن يعقد الحياة السياسية والأمنية في لبنان ويهدد بانفجار أزمة داخلية خطيرة خاصة إذا فشلت الأطراف اللبنانية الداعمة للمقاومة وحلفائها في الخارج مع الأطراف اللبنانية المطالبة أصلاً بتفكيكها وحلفائها في الخارج بالتعاطي مع هكذا تطور بشكل عقلاني، ناهيك عن التداعيات السياسية خارج لبنان.
علاوة على ذلك، فقد بدا واضحاً منذ اغتيال الشهيد الحريري وانسحاب القوات العسكرية السورية من لبنان أن غالبية اللبنانيين أصبحوا يدركون أن الصراع الداخلي الحالي في لبنان يدور حول الهوية اللبنانية داخل الوطن اللبناني على حساب التوجه القومي بخلاف ما كان عليه الأمر على مدى العقود الستة منذ الاستقلال وتحديداً بعد التوقيع على اتفاق الطائف من قبل معظم الأطراف اللبنانية، وهذا الأمر سيشكل معضلة جديدة للبنانيين.
فاتفاق الطائف الذي وضع حداً للحرب الأهلية في لبنان تبين أنه لم يصمد طويلاً أمام الطوائف المختلفة بعد خمس عشرة سنة، الأمر الذي قد ينذر بانزلاق لبنان مجدداً نحو حرب جديدة تقودها الأطراف اللبنانية بالوكالة لحساب أطراف أجنبية.
والتصعيد المستمر في لهجة خطاب معظم الأطراف اللبنانيين يوحي بأن المانع الحالي في وجه تحول الصراع الخطابي إلى صراع مسلح هو ذلك الخلل الواضح في موازين القوى المختلفة للطوائف اللبنانية.
إن أي متتبع لما يجري في لبنان اليوم يرى تماماً أن أولوية المرحلة القادمة في لبنان تتطلب موازنة البعد الوطني اللبناني مع البعد القومي العربي لأن معطيات الساحة السياسية في لبنان والمنطقة تشبه إلى حد كبير المناخات التي سبقت تفجر حروبه الداخلية عام 1975 باستثناء الفارق في الموازين الدولية والإقليمية.
فلبنان يحتاج الآن وأكثر من أي وقت مضى إلى حوار جدي قادر لتوصيل الأطراف اللبنانية المختلفة إلى حل توافقي حول مختلف القضايا وخاصة فيما يتعلق بمسألة المقاومة ومستقبل الدور اللبناني تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي.
كما يحتاج لبنان إلى حوار لبناني - سوري حقيقي واستراتيجي يصحح مسار العلاقات الثنائية ويضمن التعاون المشترك في القضايا المصيرية، وهذا سيتطلب بالتأكيد رعاية عربية واسعة وضاغطة لضمان الأمن والاستقرار للبنان والدول المجاورة.
isam997@hotmail.com
كاتب وباحث سياسي