قد يبدو هذا العنوان غريباً لأول وهلة، لكن وجه الغرابة ينقشع حينما نعلم أنه عنوان لإحدى الدعايات التي تروج للمنتجات الصينية والتي باتت تتكاثر في صحفنا ووسائل إعلامنا. وصاحب الدعاية ذاك، قد وجد الثقة في نفسه - أو بالأحرى الثقة بما يروج إليه - لدرجة أنه ضَمَّن منتجه فيما ضمن «تعليم مبادئ اللغة الصينية»!!

وأغلب الظن أن مثل هذا الإعلان لم يكن ليظهر قبل سنوات قليلة خلت، وإن ظهر، فإن أصحابه لم يكونوا يتجرؤون الدعاية لتعلم اللغة الصينية!! ويحق لصاحب هذا الإعلان أن يفتخر، ذلك أنه يتحدث عن أضخم اقتصاد نام.

فقد بلغ إجمالي قيمة تجارة الصين الخارجية العام الماضي 15 ,1 تريليون دولار كان الفائض التجاري منه 32 مليار دولار محتلة المركز الثالث عالمياً، في حين يتوقع نائب وزير تجارتها فاو هو تشنغ أن تتجاوز بلاده ألمانيا بحلول العام 2008 لتصبح ثاني أكبر دولة تجارية، وإذا ما استمرت على نفس معدل النمو فإنها ستتخطى الولايات المتحدة الأميركية خلال الفترة من 2015 إلى 2020 ( السي ان ان 14/12/2005).

نجح الصينيون فيما أخفق «السوفييت»، ففي الوقت الذي كانت جحافلهم تغزو أفغانستان انتصاراً لانقلاب عسكري قاده مجموعة من الضباط القبليين الذين كانوا يحملون «رايات الثورة البروليتارية زوراً»، والتي كانت بداية لانهيار تجربة كاملة، كانت الصين بقيادة زعيمها الجديد دينغ هسياو بينغ أعقل من ذلك.

إذ وجه الصين وجهة العصرنة والتخفف من ثقل الأيديولوجيا، وعبر عن نظرته العملية الجديدة بقوله في أحد الاجتماعات الحزبية في ديسمبر من العام 1978:

«ليس مهماً إن كان القط أسود أو أبيض، فطالما كان قادراً على اصطياد الفئران فهو قط جيد»كانت النتائج مذهلة - كما تكتب مجلة النيوزويك الأسبوعية الأميركية 10 مايو 2005 - فقد نمت الصين بنحو 9 بالمئة سنوياً لما يزيد على 25 عاماً، وهي نسبة النمو الأعلى لأي اقتصاد رئيسي في تاريخ البشرية.

وفي الفترة نفسها، خَلصت الصين 300 مليون نسمة من الفقر وضاعفت متوسط دخل الفرد أربع مرات. والأهم من ذلك ـ كما تضيف المجلة ـ أن ذلك حدث دون أي اضطرابات اجتماعية كارثية مفاجئة حتى الآن».

ولقد حققت الصين تلك الطفرة التنموية بفضل خلق منافسة بين مؤسساتها الاقتصادية فضلاً عن إعطاء المديرين وقادة القطاعات الاقتصادية حرية اتخاذ القرارات، وضبط النمو السكاني عبر سياسة «طفل واحد لكل أسرة» ثم أخيراً وليس آخراً فتح المجال للاستثمارات الخارجية.

ولعل إحدى علامات ارتفاع مستوى معيشة الفرد الصيني هو ازدياد سفره للخارج كسائح بعد أن سمحت الحكومة لشعبها بزيارة معظم دول العالم فيما عدا الولايات المتحدة الأميركية. وقد بلغ عددهم العام الماضي حوالي ثلاثين مليوناً، زار مليون منهم تايلاند. وقد تناولت جريدة الكرستيان ساينس مونيتور(28/12/2005) ظاهرة السياحة عند الصينيين بوصفها ظاهرة جديدة تحت عنوان طريف.

وهو: «الأميركيون القبيحون الجدد لآسيا» تذكيراً بالكتاب الذي راج في الستينات تحت عنوان «الأميركي القبيح» الذي يصف صلف الأميركان وعجرفتهم. أما انطباعات مضيفيهم فيقول أحدهم: «إن السياح الصينيين بسطاء، حديثو نعمة، يتظاهرون بالغنى»!!

وتجرى في الصين عملية اجتماعية ضخمة تتمثل في الهجرة من الريف إلى المدينة، حيث تتجه الدولة إلى تبني سياسة (دعه يمر) أو الانتقال الحر للعمالة مما خلق معدلاً للتحرك خلال السنوات الست الماضية لما يقدر بمئتي مليون عامل يشكلون الأساس لما يسمى في عالم الاقتصاد ـ حسب النيوزويك 20 ديسمبر 2005 ـ «السعر الصيني»، أي انخفاض تكلفة العمالة الصينية التي تؤدي إلى رخص منتجاتها قياساً بمنتجات الدول الأخرى وبالتالي قدرتها التنافسية العالية.

بيد أن تلك النجاحات العظيمة كان لها وجه آخر، وهو وجه ليس بإشراق الوجه الأول، فسياستها التنموية لم تراع متطلبات البيئة مما يجعلها عرضة للكوارث البيئية كالفيضانات وذلك بسبب قطع الغابات فضلاً عن أن مدنها باتت ملوثة أشد التلوث

أما سياسة التوسع في الصناعة على حساب الزراعة فآخذة بخلق هوة سحيقة بين المستوى الاقتصادي لأهل المدن ونظرائهم من أهل الريف خاصة لأولئك الذين تأخذ أراضيهم لبناء مصانع عليها وما يرافقها من خدمات عمرانية.

وبفضل هذه السياسة أصبح 70 مليون فلاح معدماً ينضم معظمهم إلى جيش «عمال التراحيل» الباحثين عن فرص أفضل في المدن. وتتنامي حركة مقاومة مصادرة الأراضي تلك، وتأخذ طابعاً عنيفاً في أغلب الأحوال، فوفقاً لجاشوا مولدافين.

وهو أستاذ للجغرافيا والدراسات الآسيوية في إحدى جامعات نيويورك ـ والذي ينقل من مصادر رسمية ـ فقد وصلت حوادث المقاومة تلك إلى 74 ألف حالة في العام 2004 ( الهيرالدتربيون 1/1/2006).

وما تفشي الانتحار، الذي أصبح السبب الأول للوفاة بين الشباب الصيني، والسبب الخامس لحالات الوفاة عموماً، إلا تعبير عن تلك الحقائق الاجتماعية الجديدة. فالضياع وضعف العلاقات الاجتماعية وبروز النزعة الفردية عوامل أساسية تدفع بالبشر إلى الانتحار كما بينها رائد من رواد علم الاجتماع قبل قرن وهو الفرنسي أميل دوركايم، الذي نكرر آراءه على مسامع طلبتنا باستمرار.

فقد أظهرت دراسة نشرتها البي بي سي (29/11/2002) أن أكثر من ربع مليون يموتون كل سنة منتحرين يمثلون ربع مجموع محاولات الانتحار، النسبة الأعلى بين النساء الريفيات وعلى وجه الخصوص الشابات منهن. أما الوسيلة الرائجة لانتحار السواد الأعظم من هؤلاء فهي تناول المبيدات الحشرية أو سم الفئران!!

alyusefi@hotmail.com

كاتب كويتي