يتفق خبراء الجغرافيا الاستراتيجية وأهل الاختصاص في التاريخ الروسي على أن روسيا لا يمكن أن تطمح لمكانة القوة الكبرى دولياً من دون أن تكون أوكرانيا ضمن دائرة نفوذها.

زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وأحد هؤلاء الخبراء الكبار، يقدم معادلة بسيطة قوامها أن روسيا من دون أوكرانيا ليست بقوة كبرى. بعض المخططين الاستراتيجيين في موسكو يعتبرون أن خسارة أوكرانيا كانت بمثابة 11 سبتمبر روسي.

هذه المسلمة الاستراتيجية التي يعززها التاريخ تفسر بشكل أساسي ما تسميه موسكو خلافها التجاري مع كييف حول أسعار الغاز الذي تصدره الأولى إلى الثانية من دون أن يعني ذلك بالطبع عدم وجود بعض الأسباب التجارية المباشرة وراء وقف موسكو صادراتها من الغاز إلى كييف.

الاقتصاد الدولي للغاز وموقع روسيا كمصدر أساسي للغاز والنفط في هذا الاقتصاد وموقع أوكرانيا كدولة ترانزيت بالنسبة لموسكو يجعل من الأزمة الثنائية ذات أبعاد دولية واسعة على الأقل في ما يتعلق بالعلاقات الروسية ـ الأوروبية.

أوروبا الوسطى والشرقية تعتمد بشكل شبه كلي على الغاز الروسي، في حين ان دولاً مثل فرنسا وإيطاليا تأتي بربع احتياجاتها من موسكو فيما تحصل ألمانيا على ثلث استهلاكها تقريباً من روسيا.

روسيا تعيش حالة إحياء وطني قوي تغذيها مخاوف تراجع الوزن والمكانة اللذين كانا للامبراطورية دائماً أياً كان حجمها أو هويتها السياسية. هذه الحالة من الوطنية الجريحة يستثمرها الرئيس فلاديمير بوتين لاتخاذ مواقف .

وإنتاج سياسات تلاقي صدى إيجابياً كبيراً في المزاج الشعبي فيصيب أكثر من عصفور بحجر واحد إذ تسمح له سياسته في إعادة بناء موقع روسيا دولياً على الإمساك بقوة بزمام السلطة ومحاولة تحويل نظام الديمقراطية الفتية ذات النواقص العديدة.

وهي في بداياتها، الديمقراطية التي قامت على أنقاض الحكم الشمولي، تحويلها إلى نظام سلطوي تحت عنوان «إعادة روسيا إلى ماضيها المجيد» ولو أن كلاً يتطلع إلى الماضي بشكل مختلف ويراه في مرحلة مختلفة.

روسيا لن تسامح أوكرانيا على «الثورة البرتقالية» التي أعطتها الحرية والاستقلالية والتوجه سياسياً نحو الغرب ونحو واشنطن بشكل خاص. روسيا مازالت تملك أوراقاً استراتيجية تقوم على الجغرافيا والاقتصاد ومازالت تعتقد أن هذه الأوراق يمكن أن تعيد لها بعض النفوذ في كييف.

وأوروبا التي أدركت حجم اعتمادها على الغاز الروسي وطبيعة الأزمة التي تلوح بالأفق أخذت بالبحث حالياً في بلورة سياسة جديدة تجاه موسكو على ضوء ما كشفته هذه الأزمة سياسة سيكون دافعها عنصر الطاقة ولكن هذا العنصر لن يكون الوحيد في صياغة تفاهمات أو اتفاقيات أوروبية روسية جديدة.

روسيا ليست الدولة الأولى أو الوحيدة في العالم التي تلجأ للدبلوماسية التجارية أو الاقتصادية خدمة لسياساتها العالمية. ولكن روسيا تدرك أهمية ورقة الطاقة التي تملكها كمدخل للتنمية ولتحقيق المكانة في الوقت ذاته.

من الدلائل على ذلك أن قمة آسيان روسيا قد ركزت في بيانها الختامي على التعاون في مجال استكشاف واستخراج واستهلاك النفط والغاز. فروسيا التي ما زالت تعاني من اهتزاز مكانتها والانهيار الذي أصاب تلك المكانة .

وتعاني من حالة انعدام الوزن بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والتداعيات والتحولات العميقة والهيكلية والمتسارعة التي عاشتها على كافة الأصعدة تجد في الدبلوماسية الاقتصادية احدى أوراقها الرئيسية في إعادة بناء موقعها كقوة كبرى دولية على الصعيدين الاقليمي والدولي.

يحصل ذلك وروسيا تترأس هذا العام مجموعة الثمانية أو القوى الصناعية الكبرى، أو في حقيقة الأمر مجلس إدارة العالم الاقتصادي والسياسي.

كاتب لبناني