شارون انتهى وليس الشارونية

شارون انتهى وليس الشارونية

ثمة كلام، إعلامي وسياسي، متداول منذ أيام، ومفاده أن «عملية السلام» قد تتلقى ضربة قاصمة؛ إذا غيّب الموت شارون أو أقعده المرض وأجبره على مغادرة المسرح السياسي. والبعض أبدى «تخوفه» من صعود «اليمين المتطرف» من جديد إلى الحكم، بعد انتخابات مارس الإسرائيلية. وكأن السلام الحقيقي كان في يد أحد روّاده وفجأة بات في خطر.

أصحاب هذه الشائعة الرائجة ينتمون إلى فريق من اثنين: إما أنهم من العارفين بحقيقة الأمور ويتحدثون بهذه اللغة لتلميع شارون وخططه المعروفة، بحيث تبقى قابلة للترويج والتسويق، سواء على يده ـ إذا كان من المحظوظين ونجا بحياته ـ أو على يد خلفه.

وإما أنهم من فريق المراهنين على الوهم والذين دأبوا على التعلّق بحبال الهواء؛ في كل مرة يتعرض الجالس على كرسي الحكم في إسرائيل، لهزة أو لطارئ قد يطيح به. وهي مراهنة عبثية طالما تكررت وتأكدت خسارتها.

بقطع النظر عمن في الحكم، ومن هو المرشح لخلافته. وهي كذلك لأنها من نتاج ثقافة «الاتكال على الغير» التي أفرزت رزمة من المقولات باتت متداولة كمسلمات في الخطاب السياسي.

خاصة العربي بشكل عام. ومنها أن الطبقة الحاكمة في إسرائيل مقسومة إلى «حمائم وصقور»؛ وأن شارون تحوّل إلى «حمامة» بقدرة قادر وغادر عشّ الصقور؛ لأنه يحمل «رؤية من أجل السلام»! على حدّ تعبير الرئيس بوش الذي أطلق مرة عليه أنه «رجل سلام»!

والاعتقاد الثالث الشائع هو أن القوي والمتشدد في إسرائيل وحده القادر على إبرام صفقات التسوية السلمية مع الجانب العربي. وهم يرون في بيغن ـ كامب ديفيد ـ مثالاً على ذلك. وكذلك في شارون ورحيله عن غزة. الصدفة وتضافر الظروف جعلا من هذه المقولات في ظاهرها مادة قابلة للترويج.

لكن من التبسيط، الذي لا يستقيم معه تقويم أو قراءة، التعامل معها كقاعدة. فالتجارب تنقضها والاسترشاد بها أدّى إلى البلبلة والارتباك. في أحسن الأحوال أدّى إلى «مكانك راوح». ناهيك عن تعميق الإحباط. ومراكمة الخيبات وإحداث المزيد من الخلل في بوصلة الحسابات الفلسطينية والعربية. الأمر الذي تسبب بفقدان القدرة على صياغة موقف قادر، في أقله، على لجم اللهاث والركض وراء السراب.

في كل مرة يأتي إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية وجه جديد، يسارع المراهنون إلى عقد الآمال عليه؛ من خلال حبك التنظيرات التي تلوي عنق الحقيقة وتقولبها لخدمة خلاصة جاهزة؛ تبرر التفاؤل، بصرف النظر عن الوقائع العنيدة القائمة على الأرض، سواء أكان هذا من العمل أو الليكود؛ من «الحمائم» أو من «الصقور» بحيث ترتسم صورة واعدة، كي لا نقول وردية، لتسوية ما مقبلة، وتتوالى الوجوه والخيبات وتبقى هذه النظرة تجتر نفسها. وكأن التجارب ليس فيها دروس.

شارون شأن من سبقه، جزء من المعادلة الإسرائيلية الداخلية. أشخاصها يأتون ويروحون وهي تبقى ثابتة. الفارق بين من يدخل ومن يخرج لا يتعدى الوسائل وطرق الإخراج. السياسة الإسرائيلية في جوهرها هي هي، من المفجع أن يبني البعض حساباته على شخصيات إسرائيلية بعينها، خاصة إذا كانت أسماؤها لا ترتبط بغير المجازر والدمار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات