بعد 23 شهراً من التحريات والتحقيقات الميدانية لكشف ماضي انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب من 1956 الى 1999 رفعت هيئة الإنصاف والمصالحة تقريرها الختامي للملك محمد السادس الذي يهدف إلى رد الاعتبار للضحايا وجبر الأضرار وصيانة الذاكرة الوطنية وتحقيق المصالحة الشاملة، حيث خلصت الهيئة إلى أن تقدما ملحوظا سجل بين يناير 2004 و نوفمبر 2005 على مستوي إرساء الحقيقة حول الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي عرفها المغرب، وأوصت بتوسيع نطاق التغطية الصحية الإجبارية ليشمل جميع الضحايا الذين حددتهم.
بناء على ما سبق فاجأ الملك محمد السادس العالم العربي أجمع، وليس المغرب فقط، حين أعلن عن طي صفحة الماضي المتعلق بانتهاك حقوق الإنسان، ليسدل الستار على مرحلة سياسية اجتازها المغرب، ويفتح باب الأمل في اتجاه المستقبل، مطالبا شعبه بأن يصفح، ويحاول أن ينسى ما مضى.
لقد ركز الخطاب الذي استقبله الشارع المغربي بارتياح، على ضرورة التحرر من شوائب الماضي وحاول أن يكون متفائلا، داعيا كل الأطراف إلى اعتبار الماضي جزءاً من التاريخ، والالتفات إلى الحاضر والمستقبل، ومشددا على النخب المغربية بضرورة فتح النقاش حول الدراسة، التي تم إعدادها فيما يخص التنمية البشرية، خلال نصف القرن الماضي، من أجل تجاوز مشكلات الماضي، وتأسيس مستقبل أفضل.
لم يعتد أي شعب من الشعوب في عالمنا العربي على أن يخاطبه زعيمه بهذه الصراحة، والحق أن هذه الخطوة تجعل الشعوب العربية الأخرى تحسد الشعب المغربي على مليكه، الذي أدرك أن الوفاق الداخلي يحتاج إلى الصراحة والشفافية خاصة مع الشعب الذي يعتبر اللبنة الأولي في بنيان أي عملية ديمقراطية.
رغم أن الملك الشاب لم ينكر ما حدث من انتهاكات، بل أكد على ضرورة حفظ هذه الحقبة في ذاكرة الأمة، باعتبارها جزءا من تاريخ المغرب، واستخلاص الدروس اللازمة منها، لتوفير الضمانات الكفيلة بتحصين بلاده من تكرار ما جرى واستدراك ما فات.
خطوة سيشهد لها التاريخ، فقد أدرك الملك محمد السادس أهمية المساهمة في تنظيم التحول الديمقراطي وتحديث البلاد، فجاء خطابه منسجما مع مطلب تبلور داخل منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والفعاليات السياسية الداعي لطرح قضايا حقوق الإنسان في شموليتها من خلال رد الاعتبار للضحايا وتصفية ملفات الانتهاكات واستكمال التحقيقات والكشف عن مصير المختفين مع طرح كل ذلك ضمن رؤية سياسية عامة تشمل قضايا العدالة والديمقراطية والمصالحة.