كل شيء في عُرفنا العربي، قابل للتسييس، وافتعال المعارك، بدءاً من الحواجز التي تقف عائقاً دون تدفق المواطنين العرب لأي بلد شقيق يختارونه، وكذلك كرة القدم، والاقتصاد أو تعليق لمحطة فضائية، أو صحيفة
سيارة، أو تصريح لمسؤول قد يوقف كل شيء بين دولة وأخرى،
وقد تحولت هذه العادات إلى أزمات ساخنة لأن المشاعر المتدفقة، والمشحونة أمام الآخر ارتبطت بأن أي نقد، أو حتى توصيف عام لحالة عربية ما، هو إقلال من كرامتها وإذلالها، وكأننا في عصر داحس والغبراء..
ومثلما حاولت أكثر من دولة عربية وإسلامية ربط الحج بخلافات سياسية وإلحاق التهم بالمملكة، كان آخر الصارخين السيد الجعفري رئيس وزراء العراق المنتهية مهماته، وقطعاً لا يُلام من يحاول حشد أنصار له بالانتخابات أن يخترع المعارك، والمشكلة أن الجعفري هو من عرف الحج وشروطه المتفق عليها إسلامياً.
وكيف أن المملكة أعطت للعراقيين حصة تتجاوز الأربعين في المائة، وسهلت أخذ التأشيرات من المنافذ، لكنها لا تلام إذا كانت الإجراءات من قبل حكومة الجعفري، هي من تريد فرض أفعل التفضيل لمذهب دون آخر، أو توزيع التأشيرات كمنح خاصة، والذي يهمنا في القضية أن الحج ليس عباءة تُلبس لأكثر من مناسبة إذا كانت الغايات الروحية فوق النزاعات لمن يؤمن بحقيقة هذه المشاعر وبعدها عن الأجواء الساخنة لأي بلد..
لقد تعرضت المملكة، في مناسبات الحج، إلى تفجيرات في مكة المكرمة، وحاولت عناصر موظفة سياسياً أن تقوم بتهريب المتفجرات، وقيام مظاهرات، وتحويل مسار الحج إلى حنجرة إسلامية تهتف ضد الأعداء وهي مبتكرات تخرج عن القيم الحقيقية للإسلام ودوره الروحي والإنساني..
لسنا في حال تقديم شهادات حسن سيرة وسلوك، أو إعطاء دعايات غير صحيحة عن الدور الذي نقوم به في هذا الموسم، وكيف يتم حشد جميع الطاقات الأمنية، والطبية والبشرية وتأمين الغذاء والماء للحجاج بتكاليف غير عادية ندفعها من قوائم حساباتنا ومع ذلك لم نطلب التعويض، أو المكاسب السياسية لأننا ننأى بأنفسنا عن جعل الحج منبراً لافتعال مواقف خارج إطار أهدافه، ثم إننا نرفض أن تكون الأنظمة، والمذاهب، وخيارات كل دولة لنهجها السياسي موانع للحجاج أن يؤدوا فريضتهم حتى إننا في أقسى خلافاتنا مع المعسكر الشرقي، وإسرائيل لم نضع عوائق تمنع وصول أي مسلمٍ غايتُه أداء فريضته.
لكن يبدو أن الجعفري يريد اللعب بأوراق ليست مرتبة، وخلط بين ما هو أزمة داخلية، وحالة الحج، وقد يكون على قناعة ذاتية بأن هذا ليس صحيحاً، لكنه يريد كسباً معنوياً على حساب جانب روحي، وهذا جهل بطبيعة الأهداف وخلافها بين ما هو مادي وإسلامي لكنها السياسة تحاول إفساد حتى المشاعر الروحية والدينية.