كان من الرجال الذين يلوذون بالصمت في معظم أفعالهم، حتى أصبح ملاذ الخائف الملهوف وكعبة المحتاج، فكان مضرب المثل في طيبة القلب ونقاء السريرة والعطف والرحمة.
أجمع من عرفه عن قرب على أنه بحر لا شاطئ له من الحنان، لا يرد طالب حاجة ولا يتكدر وجهه في وجه محتاج. على أنه من الفراسة وقوة الحدس وعمق الذكاء بحيث يصدق عليه ما قاله عمر بن الخطاب عن نفسه: لست خباً وليس الخبُّ يخدعني.
كان فقيد الوطن والأمة الشيخ مكتوم طيب الله ثراه بحر عطاء لا ينضب ونهر حكمة متدفقاً يصدرعن تراث مجيد امتد إليه من تراث هذا الوطن الضارب في جذور أمته العظيمة.
وليس غريباً أن يكون واحداً من الرواد البناة الذين تربوا في مدرسة الريادة الأولى للراحلين الشيخ زايد والشيخ راشد رحمهما الله، الذين وضعوا نصب أعينهم أن هذا الوطن لا يبنى إلا بسواعد أبنائه وأن خير هذا الوطن لأبناء الأمة أجمعين.
كان يؤمن بأن خير هذا البلد وتقدمه لأبناء هذا البلد، وأن كرامة المواطن وأمنه واستقراره هو عنوان أي شارة على التقدم الحقيقي والإنجاز الذي يعد في الحسبان.
وتدل هباته ومكرماته الكثيرة على هذا الإيمان الذي لم يتزعزع في يوم من الأيام، وبذا اكتسب هذه المحبة الغامرة من أبناء وطنه التي تجلت في هذا الأسى الذي عم الناس جميعاً فكان رحيله عاصفة حزن ورنة أسى عمت البلاد والعباد، شملت الكل من مواطنين ومقيمين فكان الكل في المصيبة سواء.
وفي هذه المناسبة الأليمة ونحن نستذكر سجاياه لابد أن نذكر له بالفضل إيمانه بالقيادة الجماعية، التي تركت بصمة واضحة على إنجاز هذا الوطن وعلى إنجاز إمارة دبي بالذات، فقد تركت إدارته الحكيمة وطريقته في الحكم المجال للطاقات الخلاقة أن تتفتح وتتطور وتزدهر، فضرب المثل الناصع على أن الحكم الجماعي الذي يقوم على التشاور والتناصح .
وعدم التفرد في القرار وإعطاء الدماء الجديدة فرصة لتغذي جسد الوطن الفتي هو الضمانة الحقيقية لأي تقدم واستقرار وازدهار؛ فلم يؤثر عنه في يوم من الأيام أنه استأثر برأي أو تفرد بقرار، بل كان القرار حصيلة تجربة جماعية حققت قفزات هائلة متسارعة في شتى الميادين.
وترك باب التنافس في وجوه الخير مفتوحاً أمام أشقائه الذي شاركوه في حكم الإمارة وتوجيه دفة الأمور إلى ما فيه الصالح العام، فبدت مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ناصعة في كل ميادين البناء والتقدم على الأصعدة كافة من الاقتصاد إلى الثقافة والتعليم والسياحة وتطوير المجتمع.
وبدا اسم سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة علماً على مشاريع تربوية وإنمائية واقتصادية وخيرية كثيرة، وما تشهده الإمارة والوطن من تقدم يعكس روح قيادة الراحل العظيم الذي كرس في نفوس المواطنين روح الالتزام والانتماء.
رحل الفقيد الكبير، ولكن مآثره باقية، ولن تغيب من نفوس الناس أو من عيونهم صورة الشيخ الحاني والأب الحكيم والنفس الراضية التي تشيع بشراً وحناناً وتمتلئ رضا وعطفاً ومحبة، وكم سيفتقده الذين كانوا يلوذون به من طلاب الحاجات وأهل الغرامات. لقد كان بحق مثلا لا يجارى في الكرم، كرم اليد والقلب والفؤاد، حتى عرف بين أهل دبي كلهم بأنه لا يعرف كلمة «لا»، فكأنه كما قال الشاعر العربي القديم:
ما قال «لا» قط إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاءه نعم
لقد عم كرمه الجميع، ولكنه كرم لا يحب الشهرة ولا المنّ ولا الإظهار، كان كرما نابعا من قلب طبع على محبة الآخرين ومساعدتهم ورحمتهم، لقد كان رحمه الله مجبولا على الكرم والبذل لا يعرف له بدلا:
هو البحر من أي النواحي أتيته
فلجتّه المعروف والجود ساحله
تعوّد بسط الكف حتى لو انه
تناهى لقبض لم تطعه أنامله
وكم سيفتقده آل بيته الكرام فقد كان شيخهم وعميدهم بل عميد شعبه كله، فلقد بدأ المسؤولية منذ نعومة أظفاره، وعرف حلو الحياة وذاق مرارة التجارب الأليمة ولا سيما فقد الولد، ولكنه ظل الصابر المحتسب الراضي بقضاء الله وقدره، وسيظل قدوة لآل المكتوم الميامين في صبرهم ورضاهم بقضاء الله وقدره .
وفي تحملهم المسؤولية التي حُمّلوها، ويقيناً أن عينه ستقر بتحمل رجال كرام من آله المسؤولية على رأسهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الجديد الذي واكب نهضتها في عهد والده الشيخ راشد طيب الله ثراه.
والذي تحمل المسؤوليات الكبيرة الجسام منذ نعومة أظفاره فنهض بها نهوضاً عظيماً لفت إليه الأنظار في كل مكان فبدا وكأنه لا يرضى بما هو أقل من المقدمة في كل شيء، وضرب مثلاً في استقطاب كل العقول والسواعد للمشاركة في النهضة المباركة.
وما اهتماماته بالمشروعات الثقافية الكبيرة إلا صورة لتوجه نحو ازدهار ثقافي وتنموي شامل يشمل التربية والتعليم الذي ستنجم عنه قفزة طموح في سبيل التعليم الجامعي العملاق الذي سيتوج بالتأكيد طموح الوطن وطموح هذه الإمارة خاصة للاندفاع نحو المقدمة بتأسيس جامعة وطنية عملاقة طال انتظارها في هذه الإمارة.
رحم الله راحلنا العظيم الشيخ مكتوم، وأسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا، وألهم آله وذويه وأبناء شعبه وأمته الصبر والسلوان ومد خلفه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بالقوة والتأييد لما فيه خير الوطن والأمة والدين وجنب هذا الوطن كل مكروه، وسلام على الراحل العظيم في الخالدين.
جامعة الإمارات