سيرة رجال .. مسيرة وطن ـ علي عبيد

سيرة رجال .. مسيرة وطن

ما كاد يمر عام على فقد الوالد والمعلم والقائد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، حتى فُجِع الوطن بفقد قائد آخر وابن بار من أبنائه هو المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله.

وإذا كان التسليم بقضاء الله وقدره واجباً فإن الاعتراف بحجم الفجيعة عند فقد البناة والقادة حق وواجب أيضا، بعد أن أصبحوا جزءا من تاريخ هذا الوطن الذي أرسوا قواعده وبنوه في زمن كان البناء فيه صعبا، وكانت المهمة فيه شاقة.

ولو لم يهيئ الله لهذه الأرض رجالا مخلصين من البناة الأوائل، أمثال الراحلين زايد وراشد وإخوانهما حكام الإمارات الأخرى، لما غدت دولتنا تزهو اليوم بما نراها عليه من تقدم ونهضة غدت مضرب المثل في سرعة الإنجاز وعظمة الإعجاز.

لقد تحلى البناة الأوائل بقدر هائل من العزم والمثابرة كي يضعوا اللبنات الأولى، ويجمعوا الكيانات الصغيرة المتفرقة في بوتقة واحدة، ليشكلوا منها جوقة تعزف نشيدا واحدا هو نشيد الاتحاد، ويضموا سواعدها كي يرتفع البناء شيئا فشيئا ليغدو صرحا تتجلى معالمه على الأرض، لكن مَعلَمه الأكبر والأعمق الذي لا يظهر للأبصار.

ولكن تدركه البصائر، هو ذلك الإيمان العميق الذي رسخ في قلوب أبناء الإمارات، حكاما ومحكومين، بأهمية الاتحاد الذي أصبح قدرا لا خيار لأبناء الإمارات غيره، وهو قدر جميل يتمنى أبناء الإمارات أن يديمه الله عليهم ويحفظ لهم اتحادهم.

في تلك المرحلة، مرحلة وضع الأسس والبناء، كان الشيخ مكتوم بن راشد رحمه الله حاضرا بقوة. كان سندا ومعينا لوالده واضع أسس نهضة دبي الحديثة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراه. شهد معه كل مراحل تكوّن فكرة الاتحاد وهي لم تزل بعد بذرة في كف القدر وأمنية في دنيا الحلم.

وعندما حان أوان الغرس كان «رحمه الله» من أوائل الذين ساهموا في زرعها ومدها بأسباب الحياة كي تضرب بجذورها عميقا في الأرض، ويمتد سامقا جذعها في السماء، وتظلل أغصانها الوارفة الوطن وأبناءه، ويعم خيرها كل الأرجاء من أدنى المعمورة إلى أقصاها.

لقد كان الفقيد الكبير أنموذجا طيبا وفريدا لابن الوطن البار بأهله وعشيرته وأمته. لم يختلف اثنان على مناقبه العديدة التي تجلّ عن الوصف، وصفاته الجمّة التي تجل عن الحصر. كان عنوانا للكرم والطيبة والتواضع وكل الصفات النبيلة التي أفاض الجميع في ذكرها؛ من عرفه منهم عن قرب، ومن سمع به على البعد فلم يستغرب شيئا منها، لأن أفعاله وأياديه البيضاء كانت خير شاهد وأبلغ دليل.

كل هذا معروف و مسجل، جرى به مداد الأقلام وسوف يجري طويلا لأنه نهر يستمد جريانه من نبع لا ينضب، لكن أكثر ما يلفت النظر عند حادث جلل ومصاب كبير كهذا، ومثلما حدث عندما فقدنا الوالد والقائد والمعلم زايد، هو هذا الانتقال السريع والسلس للحكم دون توتر أو اضطراب.

كما يحدث في كثير من الدول التي سبقتنا تكويناً وتجربةً ودساتيرَ وتشريعاتٍ عكف على وضعها كبار المشرعين وأساطين رجال القانون، لكننا نجدها تصطدم بنوازع البشر فتتعطل بيد من وضعوها لتلتبس الأمور وتتوتر الأجواء على خلاف ما عشناه ورأيناه يحدث عندنا.

ولذلك نكرر دائما: إن من أكبر نعم الله علينا في دولة الإمارات هذا الاستقرار الذي نعيشه، وهذا الانتقال السلس للسلطة الذي يجري رغم فداحة المصاب، وهذا الرصيد الكبير من الحب الذي تمتلئ به القلوب؛ قلوب الشعب والقادة القادرين على مواصلة المسيرة بالزخم نفسه الذي قاد به ربابنة الاتحاد سفينة الوطن كي يستمر الإبحار حتى لو تكاثرت الأنواء وعصفت الرياح من حولنا.

ونقول أيضا: إن اختيار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي نائبا لرئيس الدولة ورئيسا لمجلس الوزراء إنما يأتي تأكيدا لهذه النظرية.

وشاهدا على ما تزخر به دولتنا من قيادات قادرة على بث روح جديدة في كل مرحلة من مراحل البناء الذي يتطلب في المرحلة المقبلة فكرا أثبت بالتجربة صوابه خلال المرحلة السابقة في إمارة دبي التي أصبحت مضرب المثل في التطور والمبادرات الاقتصادية والإدارية الحديثة الخلاقة، تلك التي قادها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بمباركة ودعم كامل من الراحل الكبير صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد طيب الله ثراه، لتضع دبي على خريطة العالم مثالا للمدينة الحديثة المتطورة التي تسابق الزمن فتسبق عصرها، لا تقف عند إنجازاتها.

ولا تلتفت وراءها مهما أنجزت، بل تنظر إلى المستقبل بعيونٍ تتطلع إلى ما هو أجمل من الحاضر، وقلوبٍ تهفو إلى ما هو أبعد من الواقع، وعقولٍ تفكر فيما هو أكبر من الممكن.

ليس سرًا أن نقول إن مؤسساتنا الاتحادية تعاني منذ سنوات من جمود ومصاعب جعلت الكثير من المؤسسات والدوائر المحلية تتجاوزها بمراحل، بل وتنتزع من بعضها أدوارها كي تحرر بعض قطاعات الخدمات ـ كالصحة والتعليم على سبيل المثال ـ من الجمود الذي آلت إليه.

والتدهور الذي جعل المواطنين يجأرون بالشكوى من سوء الخدمات التي تقدمها بعض القطاعات، بغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى هذه النتائج رغم وجاهة بعضها، لأن هذا الكيان الوحدوي، الذي هو في منتصف العقد الرابع من عمره الآن، يفقد جزءا مهما من مبررات قيامه ما لم تنعكس إنجازاته على حياة مواطنيه.

وما لم يستجب للطموحات الكبيرة التي كانت تراود مؤسسيه وأولئك الذين عاصروا مرحلة قيامه وعاشوها بكل مشاعر الإعجاب والانبهار بما كان يجري على الأرض أمام أعينهم.

إن المرحلة التي انقضت من عمر الدولة الاتحادية هي في العرف والاصطلاح بعمر جيل، ولابد لكل جيل أن يسلّم الأمانة للجيل الذي يليه.

وخضوعا لمنطق الأشياء وقوانين الحياة، هاهو الجيل الأول يسلم الأمانة للجيل الثاني بعد أن وضع له أسس دولة قوية وحديثة، متجاوزا كل سلبيات الماضي وظروفه الصعبة. هذا التسليم الذي يأتي في ظروف ومستجدات محلية وإقليمية ودولية لا شك أنها تختلف عن مرحلة البدايات.

ولذلك فهي تتطلب بالتالي تعاملا مختلفا ليس ثمة من هو أقدر على فهمه والإمساك بزمام الأمور فيه من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وإخوانه من القيادات الشابة ذات العقلية الديناميكية التي تستلهم الحكمة ممن سبقها من جيل الآباء المؤسسين.

وتستمد العزم من رغبتها الأكيدة في إحداث النقلة النوعية المطلوبة لإدارة مؤسسات الدولة، للانطلاق بأدائها نحو الآفاق التي يتطلع إليها مواطنو الإمارات، كي يكون هناك نوع من التناغم والانسجام بين أداء المؤسسات الاتحادية وشقيقاتها المحلية.

هكذا تمضي مسيرة الاتحاد، مستذكرةً القادة العظام الذين أسسوا بنيانها ورسموا خط سيرها ورسخوا كيانها، وكلَّ من ساهم معهم في هذا الإنجاز وقام بدور فاعل، فاتحة ذراعيها لمن يسير على خطاهم واضعا نصب عينيه مصلحة الوطن وصورته التي تزهو بأعمال من مضوا، هذه الصورة التي يتسع إطارها كي يضيف إليها الخلف المزيد من الألق الذي وضع قبسه الأول السلف، فهذه هي سنة الحياة، و لا اعتراض على حكم الله ومشيئته.

aliobaid2000@hotmail.com

عضو مجلس دبي الثقافي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات