لابد وان يتفاجأ الانسان في اي مكان والعربي على وجه الخصوص من شكوى الرئيس الاميركي جورج بوش تجاه ما تبثه التليفزيونات العربية حيث يرى بوش انها تعطي انطباعا خاطئا عن الولايات المتحدة.
وموطن المفاجأة ان النقد صادر من جانب رئيس دولة كبرى تهيمن وسائل اعلامها على العالم كله وليس على الوطن العربي وحده ، فضلا عن ان المصادر الرئيسية للمعلومة او الصورة التي يبثها التليفزيون العربي أيا كان مقره او مصدر بثه هي مصادر ووكالات انباء وصور غربية في معظمها اضافة الى النقل من موقع الحدث مباشرة.
ولربما كان هذا المصدر الاخير هو مصدر الازعاج الحقيقي للذين ينتقدون اداء التليفزيونات والادوات العربية الاخرى لتوصيل الرسالة الاعلامية بوجه عام ، ومن المعتقد ان مصدر شكوى بوش ليس اعطاء الصورة الخاطئة عن اميركا فهذا كلام فيه نظر ، لكن لأن اجهزة الاعلام العربية صار لها مكان على خارطة الاعلام العالمي.
ففي السابق كانت المعلومات وخاصة اثناء الحرب تأتي من القواعد العسكرية الاميركية حيث المراسلون يقبعون فيها منتظرين تقارير القادة عن الأوضاع الميدانية وهي تقارير تصطبغ بما تريده ادوات التأثير المعنوي والتوجيه للرأي العام ان يصل الى المتلقي وحجب ما لاتريد وصوله.
وكل ما فعلته التليفزيونات العربية انه اصبح لديها القدرة على الوصول الى موقع الحدث لحظة وقوعه والنقل المباشر للحقيقة المجسده، وهنا ظهر التناقض بين هذه الحقيقة والأكاذيب التي تأتي من ادوات التوجيه المعنوي التي اشرنا إليها.
ولانبالغ كثيرا إذا قلنا ان هذه الرؤية التي يعطيها بوش تنطلق من ضيق وتبرم لأن العرب اصبح لهم شيء يعمل دون كبير تأثير من جهات غربية ، ولو كانت اجهزة الاعلام تصلح لان تكون ذات (استخدام مزدوج) كالقدرات النووية مثلا لجرى استصدار القرارات الدولية بضغط اميركي لمنع العرب من امتلاكها.
لكن لسوء حظ الناقمين على الصحوة الاعلامية العربية انها صحوة تستجيب لدعوات الحرية والديمقراطية والشفافية وكلها قيم ترفع شعاراتها العواصم الغربية اكثر من غيرها.
وكان اجدى بساسة واشنطن ان يكونوا اكثر عدلا في التعامل مع القضايا العربية والاسلامية اذا لما احتاج بوش ان يشكو ، اذ سيتم نقل هذا الواقع المأمول (العادل) الى المشاهد بأمانة ، وإذا رضخت الولايات المتحدة لمطالب اسرائيل مثلا فإن اميركيين اخرين يتبرمون من ذلك ويعتبرونه خطأ في حق المصالح الاميركية وعلاقات الاميركيين مع العالم فما الخطأ الذي يرتكبه التليفزيون العربي في نقل انطباعات الاميركيين المعارضين لسياسة بوش وادارته التي عجزت عن بث الأكاذيب بعد افتضاح معظمها واقتضى الامر استدعاء ساسة قدماء لمساعدة الإدارة في اتخاذ سياسات رشيدة؟.
وعندما ينقل التليفزيون العربي مشاهد الدمار الذي يلحق المدن العربية وبخاصة في العراق وفلسطين والاعتداءات التي تشنها الطائرات والدبابات على المدنيين ، والضحايا والاشلاء التي تتمزق بفعل القذائف المحرمة دوليا..انما ينقل الحقيقة المجردة بغض النظر عن مدى ارتياح القادة الاميركيين لهذا الاسلوب في نقل الوقائع .
إن تحسين المهارات اللغوية لايغير الانطباعات لدى الناس بقدر ما يغيرها الصدق في نقل الوقائع.. ولعل تخفيف الضغط عن كل ما هو عربي بما في ذلك اللغة يحسن من صورة اميركا اكثر مما تفعل المؤثرات والدعوات والشكاوى من عدم استجابة العرب لابتلاع أكاذيب وترهات الاعلام الاميركي.