مكتوم.. عين على الإمارات وأخرى على دبي

مكتوم.. عين على الإمارات وأخرى على دبي

في موقع ثنائي الأبعاد على أعلى درجات المسؤولية يتصل فيه البعد المحلي في دبي بالبعد الوطني في الإمارات.. ومنصب ثلاثي المسؤوليات هو نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، أدى فقيد الوطن الكبير الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله دوره التاريخي وأعطى إخلاصه وجهده وحياته لوطنه وإمارته بنظرة بعيدة نحو المستقبل بعينين مفتوحتين.. عين على الإمارات وعين على دبي، لقد نشأ رحمة الله عليه في بطن فكرة الوحدة والاتحاد في كنف والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ومعه رفيق كفاحه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الاتحاد وصاحب الفكرة وداعم أسسها، لقد شاهد وعايش المغفور له الشيخ مكتوم وهو في ريعان شبابه تأسيس دولة الاتحاد، وساهم بجهوده الوفيرة في دعمها، ولهذا كانت نشأته وتكوينه الفكري والسياسي والاجتماعي نشأة مواطن الدولة الحديثة المتحمس لكل أفكارها، ولهذا ارتبط دائما فكره في إمارته دبي بفكره في بلده الإمارات، فكان الجهد الذي كان يبذله من أجل نهضة الإمارات التي باشر مسؤولياتها التنفيذية من موقعه كرئيس لمجلس الوزراء ينبع في الواقع من مسؤولية وطنية ويصب في النهضة المحلية في دبي.. وكان البناء الشامخ الذي يبنيه في دبي انطلاقا من موقعه كحاكم والنابع من انتماء محلي يصب في النهاية في زيادة إعلاء صروح البنيان في النهضة الوطنية في الإمارات.

إن نهضة دبي المثيرة للانتباه والتي تواكبت مع النهضة الشاملة الباعثة على الدهشة في الإمارات كان الراحل الكبير أبرز صناع تكاملها وسيرها على طريق الاتحاد الواحد ذي الاتجاهين من دبي إلى الإمارات، ومن الإمارات إلى دبي، انطلاقا من إدراك واع بعلاقة الجزء بالكل والكل بالأجزاء، حيث تبدو نهضة الكل مستحيلة بدون نهضة الجزء، ونهضة الجزء يستحيل أن تتحقق بغير نهضة الكل، كان رحمه الله يعي جيدا أن الإنجازات المحلية لا تكتمل بدون الانجازات الاتحادية، وأن السياسة المحلية لا تقوم بمعزل عن السياسة الاتحادية، وأن المجتمع واحد في كل الإمارات، هذا المجتمع الذي رحب منذ البداية بفكرة الاتحاد لأنها تعكس واقع مجتمعهم المشترك وطموحاتهم المشتركة لأن يعيشوا في كنف دولة كبيرة تضمهم جميعاً.

إن هذا في واقع الأمر هو الترجمة الحقيقية التي كان يدركها الشيخ مكتوم «رحمه الله» لمعنى الاتحاد وضرورة الاتحاد وقيمة الاتحاد.. وهذا هو الفرق الذي كان يعيه مكتوم بين الوحدة والفرقة والتشتت، وكانت بالفعل رؤية ثاقبة وبعيدة المدى، وثبت مدى صحتها وموضوعيتها بمرور السنوات ومع تطور الظروف والمستجدات والمتغيرات على كافة الصعد المحلية منها والإقليمية والدولية، وهذا ما شاهدناه وما نشاهده حاليا على مستوى العالم كله، حيث أصبح مستقرا في الوعي العام للشعوب كما للحكام أن هذا العصر هو عصر التكتلات وعصر الاتحادات، عصر التجميع وليس التفرقة، وعصر الكل لا عصر الأجزاء، عصر التنافس الرهيب بين الكبار في هذا العالم من أجل مزيد من التقدم ومزيد من الرخاء ومزيد من القوة، ولا قدرة للصغار على المنافسة في هذا العصر إلا بالتكتل والاتحاد معا لتكوين الكيانات الكبيرة القادرة على الصمود في وجه التحديات الكبيرة التي يواجهها العالم الآن وفي المستقبل.

لقد تشبع المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم بفكرة الوحدة والاتحاد على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، وأصبحت بالنسبة له عقيدة ومبادئ يؤمن بها ويسعى لدعمها.

وفى هذا المجال قال الراحل الكبير: «إن المسؤوليات النابعة من الإيمان بترسيخ فكرة الاتحاد وكيان الدولة الاتحادية أطلقت المسيرة العظيمة للمؤسسات الاتحادية لتجعل من واقع الاتحاد خدمات متنامية نابعة من حاجة المجتمع لها وساعية لتلبيتها». لقد كان المغفور له يؤمن كل الإيمان بأن الوحدة والاتحاد ليس مجرد هدف بل مطلب وواقع يفرض نفسه ويتطلب الاستجابة له والعمل من أجله، وكان يؤمن في نفس الوقت أن أهم وسيلة لبناء الكل هي بناء الجزء، فالكيان الكبير القوي لا يمكن أن يقوم أو يبقى على أساس من كيانات ضعيفة لا حول لها ولا قوة، بل يستمد الكيان الاتحادي القوي قوته ودعائم استمراره من قوة أجزائه ومكوناته الاتحادية.

وانطلاقا من هذه المفاهيم الصحيحة وفى إطار هذه الرؤى شهدت دبي في عهد الشيخ مكتوم طيب الله ثراه، نهضة حضارية شاملة في كافة الميادين تحوّلت معها الى مدينة عالمية تضم أنشطة اقتصادية، وسياحية وثقافية وعمرانية وتلعب دوراً محورياً في خدمة الاقتصاد الإقليمي والعالمي من خلال دورها كمركز للشركات العالمية، ونشاطها الرائد في مجال التجارة الإقليمية والعالمية وموقعها على صعيد السياحة الإقليمية والعالمية، حيث شيدت دبي البنية التحتية اللازمة لهذه النهضة، واستغلت كل ما تملك من موارد خاصة بها ومما أتيح وتوفر لها من الكيان الاتحادي، وأنشأت دبي اقتصادا قويا ومتميزا شهد له القاصي والداني، وأقامت المناطق الحرة المتخصصة والمواقع السياحية والصناعية والاقتصادية التي مكنتها من أن تحتل موقعا متقدما وبنية قوية مكنتها من تحقيق النجاح في كل المجالات.

إن هذا الانجاز الباهر المتعدد الأبعاد يمكننا متابعته من خلال أبرز أعمدة النهضة الحديثة لدبي في عهد مكتوم وأخواته، والتي أصبحت مثار اهتمام الجميع، والذي يأتي استمرارا لعهد بواكير النهضة في دبي التي وضع الأسس الأولى لها والده المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم أحد أبرز الآباء المؤسسين لدولة الاتحاد والذي ربى أبناءه على العمل وبذل الجهد والعطاء بلا حدود، كما رباهم على حب الوطن والذود عنه بكل غالٍ ونفيس، وكانوا ومازالوا خير خلف لخير سلف.

وهكذا كانت مسيرة الراحل الكبير مع إخوانه تواصلاً بين الماضي والحاضر في الطريق إلى المستقبل، مثلما كانت تواصلا بين الجزء والكل من أجل بناء الحاضر لأجيال المستقبل.

لقد كان إيمان الراحل المغفور له مكتوم بن راشد آل مكتوم العميق بأن النهضة التي تستهدف خير الإنسان وكرامته لا يبنيها إلا الإنسان المسلح بالإيمان وبالعلم، الإنسان الحر الطموح المخلص في انتمائه لوطنه وولائه لأمته، لأن الإنسان الذي هو وسيلة كل تنمية هو نفسه غاية كل تنمية، ومن هنا كان الحرص الشديد على بناء الإنسان في دولة الإمارات وتسليحه بكل مقومات التقدم والتطور والعمل الحضاري البناء، ومن هنا كان الحرص على نشر التعليم ووضع الثروة في خدمة العلم باعتبار أن العلم هو الثروة الحقيقية وأن الإنسان المتعلم هو القادر على صناعة كل ثروة. ولهذا انتشرت المدارس والجامعات ومراكز العلم والثقافة في كل الأنحاء وجرى تشجيع الأبناء على البحث والابتكار من أجل بناء جيل من الشباب هو الآن في العديد من المواقع كوادر وطنية مؤهلة في مسيرة النهضة الباهرة.

ولأن الإنسان الصحيح العقل يلزم أن يكون إنسانا صحيح الجسم والروح كان اهتمامه رحمه الله بتوفير كل أسباب الرعاية البدنية والصحية والطبية، فانتشرت الأندية الرياضية في كل أنحاء الإمارة، والتي فتحت أبوابها لكل أبناء الوطن الإمارات، كما أنشئت المستشفيات الحديثة على أعلى المستويات لتكون الصحة للجميع كما أصبح العلم متاحا للجميع، ليس فقط للصغار بل أيضا للكبار الذين فاتهم قطار العلم والتعليم، كما زاد الاهتمام بدرجة كبيرة بالثقافة حتى أنشئت لها المجالس الخاصة بها التي ترعاها الحكومة، وأصبحت دبي ساحة يلتقي عليها المفكرون والمثقفون والإعلاميون وأصحاب الرأي والفنانون من الإمارات ومن كل بلدان الوطن العربي الكبير، وأصبحت مهرجانات وفعاليات دبي الثقافية والفنية والسياحية والتجارية والاقتصادية منتديات عالمية تلقى الاهتمام من كل أنحاء العالم.

ولأن التواصل بين الماضي والحاضر هو الأساس لبناء المستقبل كان اهتمام المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم بالتراث ورياضة الأجداد وثقافاتهم وعاداتهم، فكان انتشار نوادي الثقافة ومراكز التراث وكان التفوق الكبير في الرياضة العربية الأصيلة الفروسية التي برزت فيها دبي والإمارات بروزا كبيرا على مستوى العالم كله، وكان للراحل الكبير دور كبير في نهضة رياضة الفروسية مع اخوانه الششيخين حمدان ومحمد اللذين جعلا من اسم آل مكتوم علما عاليا خفاقا في سماء رياضة الفروسية والخيل، وكان الاهتمام بكل رياضات الأجداد مثل سباقات الهجن والصيد بالصقور وسباقات القوارب التي عرف عنه رحمه الله شغفه الكبير بها، لقد جعلت الرياضة من الشيخ مكتوم رحمه الله نموذجا حيا للحاكم الشعبي القريب من شعبه والذي يعكس طموحاته واهتماماته وواقع حياته، لقد عاش قريبا من شعبه دائما، وكان نموذجا للطيبة والتواضع والسماحة والدبلوماسية وحسن الخلق فأحبه شعب الإمارات.

وبشخصيته الهادئة الفاعلة في نفس الوقت كان قريبا من مواطنيه وكان حريصا على أن يظل بابه مفتوحا للناس، من هنا كان له في القلوب محبة، وبقي له بعد الرحيل مكانة ووفاء.

كاتب مصري

.mamdoh77t@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات