رحيل الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم مؤلم وموجع، أصاب بالصميم دولة الإمارات العربية المتحدة، وكل العروبيين من أبنائها الطيبين، حفر إلى جانب أشقائه ومع الراحل المؤسس الشيخ زايد بن سلطان بالكد والتعب المضني، مسيرة إمارة دبي ودولة الإمارات.
فالراحل من الذين تركوا بصماتهم في مسيرة أوطانهم، وفي رسم سياسات الاستقرار في منطقة تعج بعوامل الصراع الآتية من خارجها قبل أن تكون نابعة من داخلها. فرحل هادئاً مطمئناً، تاركاً خلفه إرثا تليداً من المؤسسات العصرية، فتحولت إمارة دبي في عهده إلى لؤلؤة الخليج البراقة، والى عاصمة اقتصادية توازي عواصم ومدن المال والأعمال في العالم بأسره من أقصى مشرق المعمورة إلى غربها.
ان رحيل الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، يأتي بعد مشوار طويل من المساهمة المستديمة إلى جانب الراحل الكبير الشيخ زايد وإخوانه في عموم إمارات الدولة، في بناء وإدخال دولة الإمارات العربية إلى فضاءات التقدم العصري، الذي انتقل بالمجتمع إلى طور اكتساب الحداثة بمعناها الواسع الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي والمعرفي الثقافي، إلى مجتمع عصري متميز، ودولة قائمة على أسس متينة من الهياكل المؤسساتية في مختلف أوجه ومناحي الحياة العامة.
وكانت للراحل بصماته في القيادة العملية، في اشتقاق السياسات الصائبة ـ الدولية والعربية والإقليمية ـ لدولة الإمارات العربية المتحدة، طوال الحقب الثلاث الماضية، المليئة بالتفاعلات والتداخلات والتحولات الدراماتيكية في منطقة الشرق الأوسط. مما مكن دولة الإمارات العربية المتحدة من عبور موجات الرياح العاتية التي هبت عواصفها ومازالت على المنطقة بنجاح جيد، ودون أن تصاب بفقدان التوازن السياسي. فبنت سياستها على أسس تضمن استمرارها كعضو فاعل ومؤثر في الأسرتين العربية والدولية، ومنسجمة مع إرادة المجتمع العالمي.
إن خسارة الشعب الفلسطيني برحيل الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، خسارة كبيرة، وأليمة. فالفلسطينيون يشاطرون دولة الإمارات الشقيقة وإمارة دبي، هذا المصاب الجلل، وقد قامت الإمارات تاريخياً بتقديم كل أسباب الدعم للفلسطينيين: سياسياً ومادياً وإعلاميا وتوجت الدعم إياه في ظل الانتفاضة، حيث رعت إلى جانب المملكة العربية السعودية بناء صندوق القدس، حتى كادت أن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة والسعودية، الدولتان العربيتان الوحيدتان في تقديم الالتزامات المادية التي قررتها القمم العربية للشعب الفلسطيني وللمؤسسات الوطنية داخل الأراضي المحتلة منذ قمة القاهرة العربية التي عقدت من أجل توفير الدعم للانتفاضة في أكتوبر 2001.
وعليه فان الإرث الخيّر للشيخ الراحل مكتوم بن راشد آل مكتوم، تحمله الآن الأيدي البيضاء، والإرادة الحكيمة للقائد العروبي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في إدارة دفة السفينة، أمام لحظات عصيبة تعيشها المنطقة العربية من العراق إلى فلسطين.
إن خسارة فقيد دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، يشكل حافزاً إضافيا لاستمرار الدولة على التمسك بالإرث التليد، وبالحضور السياسي المرموق، بثقلها الإقليمي والاقتصادي، وبمؤسساتها، ونهجها، وثوابتها، وفي متابعة مسيرتها، وبالسياسة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان سليل المدرسة العروبية، وبالحسابات الدقيقة التي تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العربية ككل، وعلى وجه الخصوص مصالح الشعب الفلسطيني في كفاحه العادل من أجل العودة والاستقلال وتقرير المصير.
هذا الحضور العطر لذكرى الراحل الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، ليس فقط حقاً علينا نحن الأحياء الذين تربينا وعشنا في كنف الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بل الواجب على الجميع في زمن الانتكاسات والتراجعات خصوصاً بعد محنة العراق وما يدور في فلسطين ومن استهداف لسوريا العربية.
كاتب فلسطيني ـ دمشق