حوادث السير التي نمر عليها مرور الكرام، ويروح ضحيتها أبرياء، تحظى في المدن المتقدمة على اهتمام بالغ، وتجرى على اثرها البحوث والدراسات، وتشرع بسببها الأنظمة والقوانين الكفيلة بمنع تكرارها مجددا.

وتعليقاً على معايير القيادة السائدة في دبي، تحدث احد خبراء الطرق العالميين إلى مؤتمر دولي للطرق أقيم في دبي مؤخرا، واصفا مدينة دبي بأنها تماثل روما قبل حوالي 10 أو 15 عاماً، فحتى الآن، يقود السائقون مستخدمين حدسهم؛ فبشكل عامّ، لا ينظرون أمامهم الوقت الكافي.

ولا يركزون في الطريق على من أمامهم ومن حولهم، كما أنهم يفتقدون عقلية القيادة الدفاعية، وهي أن تقود وأنت تحسب باستمرار كافة الأخطار المحتمل حدوثها كلّ لحظة، حتى تتجنب المرور بأوضاع خطرة وتتسبب بوقوع الحوادث.

ومضى يقول: «في دبي عموماً لا يترك السائقون مسافات كافية للأمان بين السيارات، وهم يقودون بتهور ومن دون عقلية متفتحة تجاه الطريق».

ومازلت أذكر ذلك الحادث الذي شهدته بريطانيا قبل نحو 7 سنوات، والذي تسبب به حفار آلي أثناء مروره بموقع عمل فأودى بحياة عامل. يومها أمر رئيس مجلس الوزراء البريطاني بتشكيل لجنة خاصة لدراسة الحادث المروري، ووضع قوانين واجراءات تمنع تكرار مثل هذا الحادث.

وجرى على اثر ذلك توقيف جميع أنواع الحفارات من العمل في المناطق السكنية، وغيرّ القانون الجديد بشكل جذري جميع الاجراءات المتبعة سابقا، ومن ضمنها أنه طلب من جميع المهندسين والانشائيين حضور دورات تدريبية مكثفة في مجال السلامة والامان بعد أن كشفت دراسة أجريت إثر الحادث نقص الخبرة والإلمام بجوانب السلامة لدى بعض العاملين في مواقع تنفيذ الطرق.

ولعل هذه الحادثة تجرني إلى أن أسرد حادثة أخرى شبيهة بها شهدته بريطانيا ايضا عندما لفظت عجوز أنفاسها الاخيرة قبل ان تقلها سيارة الاسعاف إلى المستشفى، وتبين من خلال تشريح الحالة ان سبب الوفاة سكتة قلبية تزامنت قبيل وصول سيارة الاسعاف إليها بخمس ثوان فقط.

كذلك فإن مثل هذه الحادثة لم تمر على بريطانيا مرور الكرام بل أجرت دراسة للوقوف على متوسط المدة الزمنية التي تستغرقها سيارات الاسعاف على اختلاف احجامها وطرزها واختلاف مواقعها للوصول إلى حيث كانت العجوز عندما وافتها المنية، وكانت الفروقات تقدر بالثواني.

الامثلة في الغرب كثيرة، ولكن الحادث المفجع الذي وقع على تقاطع «سيتي سنتر» دبي قبل زهاء الشهر، وراح ضحيته سائق تاكسي ومرافق له، حين فوجئ سائق شاحنة بالإشارة الحمراء، ونتج عن توقفه الاصطدام بعدد من المركبات ما أدى إلى سقوط الحمولة التي لم تكن مثبتة بصورة جيدة على المركبات المحاذية.

ترى هل اعادت الجهات المعنية ترتيب اوراقها، وابتدرت قوانين رادعة للحيولة دون تكرار مثل هذه الحوادث المفجعة، وهل اعيد النظر في تدريب سائقي الشاحنات واعادة تأهيل مدربيهم حفاظا على حياة البشر، وإلا فما هي الدروس والعبر التي خرجنا بها من كل هذه الحوادث المرورية المؤسفة التي تقع أمام اعيننا، والحالات الطارئة التي تسوء وتنتهي بالوفاة ويرتبك أمامها مستخدمو الطريق بانتظار ان تصلها مركبات الاسعاف؟!

فصول المآسي التي تقع على طرقاتنا نتيجة الحوادث المرورية سوف تتواصل ما لم تتدخل السلطات لوضع حد لها، فالخطب والمؤتمرات والدراسات ستبقى حبرا على ورق ما لم تفعّل في شكل قوانين وتطبيقات عملية تنعكس نتائجها في ممارسات المجتمع.

darwish@albayan.ae