تصدرت «مانشيتات» صحف الجمعة (1/1/2006) بعض مقتطفات من خطاب رئيس الجمهورية الذي ألقاه مساء الخميس بمناسبة عيد الاستقلال المجيد، كان على رأس المقتطفات:
التزام البشير بإنشاء مؤسسة وسن قوانين لمحاربة الفساد؛ وإنشاء لجنة للنظر في تظلمات المفصولين لأسباب سياسية. وقضيتي الفساد والفصل التعسفي مشكلتان قديمتان كثر الحديث عنهما من المعارضين والمراقبين .
وأعلنت الدولة أكثر من مرة أنها بصدد معالجة المشكلتين ولكنها لم تفعل شيئا بالنسبة للفساد واتخذت إجراءً محدود الأثر في قضية المفصولين، لذلك بقيت المشكلة مفتوحة على نطاق التفاوض السياسي مع التجمع بالقاهرة وما زالت المطالبة بمعالجتها قائمة.
كانت حكومة الإنقاذ فيما مضى تغالط في قضايا الفساد وانتهاك حرمة المال العام، وتدعى أن الأقاويل عن الفساد هي من نسج خيال المعارضة، وبعد أن كثرت تقارير المراجع العام عن ضخامة حجم التعدي على المال العام في أجهزة الدولة ومؤسساتها تم توجيه المراجع العام بفصل مخالفات المصارف الحكومية (مع أنها تحدث تحت تأثير استغلال النفوذ السياسي) عن مخالفات بقية أجهزة الدولة حتى لا يبدو التعدي كبيرا.
وتدخل جهاز الأمن في منع الصحف من الحديث المفتوح عن الفساد المالي، وصدرت تصريحات من كبار المسؤولين تطالب المتحدثين عن الفساد بتقديم الأدلة حتى تتخذ الدولة الإجراء المناسب، وكأن البحث عن الأدلة ليس من مسؤولية الدولة وأجهزتها الأمنية والرقابية!
وقد كثر الحديث في المدينة عن العطاءات التي تمنح بلا منافسة، وعن مشتريات الدولة من جهات بعينها ولو لم تكن تعمل في تلك السلعة وبأسعار تفوق أسعار السوق، ويشير الناس بأصابعهم إلى مظاهر الثراء المشبوه عند بعض المتنفذين في أجهزة الحكم في شكل دور فاخرة لا تمكنهم دخولهم المعلومة من امتلاكها (وكما قال ابن الخطاب: أبت الدنانير إلا أن تطل برأسها!).
ولم تفعل الدولة شيئا حتى سقطت عمارة وزارة الداخلية أمام أعين الملأ فاضطر وزيرها للاستقالة بعد ظهور تقرير لجنة وزير العدل التي أثبتت مسؤولية جنائية في التصميم والتنفيذ والإشراف (ولكنها صارت استراحة محارب قصيرة الأجل!).
ولجأت الدولة في حوادث الفساد إما إلى الصمت المريب كما فعلت في مشكلة رخصة الهاتف السيار الذي ادعته سوداتل لنفسها رغم نفي هيئة الاتصال الحكومية لذلك، أو إلى التسوية السرية في الحادثة التي يفوح ريحها وتمس بعض المسؤولين كما حدث في طريق الإنقاذ الغربي.
وليس هناك ما يشوه تجربة الحكم الإسلامي أكثر من قضايا الفساد والظلم، والاثنان مرتبطان بالديكتاتورية والاستبداد السياسي فكل مجتمع يتعرض للحكم الاستبدادي يتفشى فيه الظلم والفساد لأن السلطة مفسدة والسلطة المطلقة فسادها مطلق.
ولعل الحديث الكثير عن الفساد في ظل الإنقاذ هو الذي دفع مفوضية الدستور لوضع المادة 16 التي تحدثت عن سن قوانين لحماية المجتمع من الفساد والجنوح والشرور الاجتماعية، وعن إنشاء المؤسسات للحد من الفساد والحيلولة دون إساءة استخدام السلطة ولضمان الطهارة في الحياة العامة.
وهذا ما قال به رئيس الجمهورية في الخطاب المشار إليه، واعترف الخطاب لأول مرة بأن بعض الحديث عن الفساد صحيح. وجاء في خطاب الرئيس أيضا الترحيب «بعقل مفتوح ونفس راضية بالنصيحة والدعوة إلى الإصلاح وتجافي الظلم فقد أوجب الله علينا قبول النصيحة». وأستجيب لطلب الرئيس فأدلى بما أراه من نصيحة نافعة في مجال محاربة الفساد والظلم.
لقد أصدر رئيس الجمهورية قراراً قبل أسابيع أنشأ بموجبه وحدة مركزية للسدود (217 لسنة 2005) وأعطاها صلاحيات واسعة، واستثناها من أهم القوانين واللوائح التي تحكم العمل في الدولة وتضبط الرقابة على المال العام وهي:
قانون الخدمة العامة، قانون معاشات الخدمة العامة، قانون الصندوق القومي للتأمينات الاجتماعية، قانون محاسبة العاملين، لائحة الإجراءات المالية والمحاسبية.
وبغض النظر عن تضارب إنشاء هذه الوحدة مع اختصاصات الولايات التي وردت في الدستور الانتقالي والتي اشتملت على «الري وإقامة السدود على الصعيد الولائي»، مقابل اختصاصات الحكومة الاتحادية وهي الإشراف على «هيئة مياه النيل وإدارة مياه النيل والمياه العابرة للحدود والنزاعات الناشئة عن موارد المياه المشتركة فيما بين الولايات الشمالية، أو أية نزاعات تنشب بين الولايات الشمالية والجنوبية».
مما يعني أن إنشاء السدود مسؤولية ولائية، ولو سلمنا جدلاً بتداخل في اختصاص الولاية مع الحكومة الاتحادية لكان المسؤول عن كل مسائل المياه والري هو وزير الري والمصادر المائية وليس شخصا آخر يجئ من فوقه ويمتلك صلاحيات أكثر منه.
ولو تغاضينا عن هذا التضارب البين فكيف تعفى هيئة ما مهما بلغت أهميتها من قوانين الخدمة العامة ولائحة الإجراءات المالية والمحاسبية؟ أليس هذا إغراء بالفساد؟
ولا نحسب أن مثل هذا الاستثناء حدث من قبل لأي جهاز من أجهزة الدولة، ولا ندري ما هو المبرر الذي جعل هذه الوحدة المحظوظة تتمتع بكل هذه الميزات غير المسبوقة. وهل يجوز دستورا أو قانونا أن تجد هيئة حكومية تستغل المال العام مثل هذه الميزات؟
وينبغي لرئاسة الجمهورية أن تسحب هذا القانون المعيب من طاولة المجلس الوطني أو أن تهمل عرضه حتى يسقط بمرور القيد الزمني (3 أشهر)، أما في حالة عرضه فعلى المجلس أن يمارس دوره المنوط به في الرقابة العامة بإلغاء هذه الاستثناءات التي تفتح باب الفساد مشرعا، وأن تتحرك المنظمات القانونية المدنية برفع الأمر إلى المحكمة الدستورية.
ومن باب محاربة الفساد ينبغي أن يكّون الجهاز المختص بذلك والذي نصّ عليه الدستور من شخصيات مستقلة عرفت بالنزاهة والاستقامة وقوة الشخصية، وأن يعطى صلاحيات واسعة تمكنه من التحري والتحقيق والاطلاع على الوثائق وإقامة الدعاوى أمام المحاكم ضد المشتبه فيهم.
أما عن رفع الظلم السياسي فلتنفذ الدولة ما اتفقت عليه مع التجمع الوطني في اتفاقية القاهرة من تكوين لجنة تنظر في تلك المظالم وتبت فيها بالتعويض أو الإعادة لموقع العمل.
وليبدأ الرئيس برفع الظلم عن الأستاذ زهير السراج الذي اعتقل بواسطة جهاز الأمن بموجب قانون أصبح غير ساري المفعول بحكم تناقضه مع الدستور الانتقالي الذي حدد سلطة الجهاز فقط في جمع المعلومات وتحليلها ورفع توصياته إلى الحكومة.
ولا يعدو المقال القصير الذي اعتقل بموجبه السراج من نقد مشروع لرئيس السلطة التنفيذية بلغة حادة جديدة على آذان رجال الأمن! والحقيقة أنه ليس في إمكان قيادة الجهاز التي اعتادت على الشمولية القابضة سنوات طويلة أن تكيف نفسها على مستحقات التعددية السياسية، وبسط الحريات العامة، والالتزام بحكم القانون.
كاتب سوداني