تقدير العلم قبل تطويره «2 ـ 2» ـ د. لطيفة النجار

تقدير العلم قبل تطويره «2 ـ 2»

استكمالا لما بدأناه من حديث حول إصلاح التعليم وما يتطلبه ذلك من توجيه الاهتمام إلى مسائل أساسية لا يصح إغفالها أو التقليل من شأنها في سياق رؤية كلية شاملة تبتعد عن تجزيء القضايا أو اختزالها أو تسطيحها نقول:

إنّ قضية إصلاح التعليم وتطويره تتجاوز ما نعرفه من ضرورة تطوير المناهج وتحسين البيئة التعليمية وتدريب المعلمين وتوفير الشروط المادية الأساسية لخلق محيط يشجع على التعليم والتعلم. فهذه الأمور على أهميتها التي لا يجادل فيها أحد تبقى رهينة بما يتعارف عليه الناس فيما بينهم وما يستقر في وجدانهم من اهتمامات وإن لم يفصحوا عنها بصراحة.

ويأتي إعداد المعلم ـ ولا أقصد هنا برامج التدريب الفني والمهني التي تقدمها كليات التربية في الجامعات ـ في مقدمة الشروط التي تكفل نجاح التخطيط لإصلاح التعليم وتطويره ثم النهوض به إلى مستويات أعلى؛ فكل ما قد يحققه المجتمع من ضروب النجاح في هذا المجال يضعه القائمون على العملية التعليمية بين يدي المعلم.

والمعلم بدوره هو الذي يتحمل مسؤولية إشعال جذوة المعرفة في أفئدة المتعلمين وتنشئتهم على تقدير العلم وحبه والإقبال عليه ببذل الجهود المضنية وصولا إلى لحظة الفرح الغامر بالإنجاز والسعادة بالمعرفة التي حصلوها ببحثهم الدؤوب وشغفهم بالعلم وتعلقهم به .

وتقديرهم له وإدراكهم العميق لأهميته في حياتهم بوصفهم بشرا يتمتعون بنعمة العقل ويتميزون عن باقي الكائنات بعلاقتهم المتداخلة المعقدة مع العالم؛ فهم متأثرون به مؤثرون فيه، وهم ذوات فاعلة بقوة موجهة لحركة التاريخ وقادرة على التغيير والنضال من أجل القيم والمبادئ الصالحة الجميلة.

إنّ إعداد المعلمين يركز كثيرا على ضرورة تطوير طرق التدريس واستخدام التقنيات الحديثة والتنويع في القياس والتقويم ووضع الخطط العلاجية والإثرائية والمتابعة المستمرة للطلاب والتقيد بالتعليمات الصادرة عن الإدارة والتعامل الصحيح مع التلاميذ وتوجيههم ونصحهم وتشجيعهم. وهذا كله جيد ومهم وأساسي في إطار خطة ترمي إلى إصلاح التعليم.

ولكنه يبقى في حيز الجانب الفني البحت الذي يستطيعه الجميع على تفاوت بينهم في الأداء والذي قد يتحول مع الزمن إلى ما يشبه السلوك الآلي لا حياة فيه ولا بهجة ولا مضاء. وقد يجدر بنا ونحن نضع خططا لتأهيل المعلمين أن نتجاوز هذه الجوانب الفنية وأن نضيف إليها أبعادا أخرى أراها أهم وأبقى وأكثر تأثيرا وأقدر على التغيير والتطوير.

أول هذه الأبعاد وأهمها على الإطلاق أنّ يدرك المعلم دوره المهم الذي يعد الركيزة الأساسية في العملية التعليمية برمتها، ولا بد أن يستوعب أثره الممتد العميق في تحقيق الأهداف المرسومة، ولا بد أن يعي متطلبات القيام بهذا الدور الذي يتجاوز نقل المعرفة إلى التفاعل مع هذه المعرفة وإنتاجها وخلق إمكانات جديدة لتكوينها والإضافة إليها.

إنّ المعلم ليس وسيطاً سلبياً بين منتجي المعرفة ومستهلكيها وليس ناقلا حيادياَ لهذه المعرفة، فهذا أمر جوهري وأساسي ولا يمكن النهوض بالتعليم في بلادنا إذا بقي المعلمون قانعين بدورهم المؤطر في صورة من يقوم بمهمة نقل المعرفة للتلاميذ.

وبعض المعلمين يكتفون بالاستلاب لما في كتاب دليل المعلم من تعليمات، يتقيدون بها حرفياً من دون أي مجال لحرية الحركة، فلا تبديل ولا تعديل ولا يستطيعون عن هذه التعليمات تحررا أو فكاكا.

إن المعلم الحقيقي هو دائم التشكل والتطور وهو يقوم بمهمة التدريس، فهو يعلم ويتعلم في آن واحد، ويظل المبتكر المتجدد في كل أحواله في المادة والأسلوب، دائم الاكتشاف لنفسه وللآخرين.

والمعلم الحقيقي هو المسؤول في كل خطوة ومرحلة عن أن يكون صورة حية منفتحة على المعرفة يهفو إليها بقلب شغوف يتطلع باستمرار لاستكشاف حدود جديدة للإبداع، ويحاول أن يشرك تلاميذه معه في متعة البحث والتعلم. وهكذا يصبح التعلم قائما على التفاعل بين طرفين يتبادلان لذة الكشف عن الجديد ويتشاركان لحظات السعادة بمعرفة ما كان مستتراً أومجهولا.

وهكذا ينشأ التلاميذ على أنّ العلم مغامرة خلاقة تتوق النفس كل يوم إلى خوض غمارها والتغلب على صعوباتها. وأجمل شيء في هذه المغامرة أنها مغامرة ممتعة تكشف عن الخبيء أو المتواري بمتعة البحث والاكتشاف، وهذه أسمى مهمة يحققها المعلم في تلاميذه حين ينأى بهم عن استقبال المعلومة استقبالاً سلبياً يقوم على التلقين والإملال.

إنّ مهمة التعليم لا تقتصر على محتوى المادة العلمية، بل تتجاوزها إلى تعليم التفكير الصحيح الذي لا يهدأ ولا يقنع بما يقوله الطرف الآخر إلا بعد أن يغذيه بفضول معرفي تواق يدفع إلى البحث والتفكير والتمحيص والتساؤل.

ولا يمكن أن يعلم التفكير من لا يمارسه ممارسة حقيقية نابعة من اقتناع ذاتي أصيل. إنّ المعلم يقود تلاميذه بحرص وحب إلى أن يشاركوه جوهر المعرفة التي يكتسبها اكتسابا بالتثقيف والقراءة والدقة المنهجية والبحث العلمي المتواصل.

ومن البديهي أن نقول إن أسلوبنا في تربية أجيالنا يعطي صورة صادقة عن مستقبل الأمة كلها؛ فالسؤال اللماح الذكي والتحليل المنطقي للمعلومات المقدمة واستخلاص النتائج السليمة من المقدمات السليمة والتعلم المبنى على الحوار والرعاية واحترام الاختلاف وقبول الآخر خطوة أساسية في بناء جيل لا يقبل إلا أن يعيش في مناخ الكرامة الإنسانية والحرية والعدل والمساواة واحترام القيم الإنسانية .

واعتبار العمل والتنافس الشريف المبني على النزاهة والأخلاق ومبدأ تكافؤ الفرص قيماً أساسية في المجتمع الذي يسعى من خلال الانتماء لثوابت الوطن والأمة والحضارة والمعتقد أن يكتشف الآفاق الجديدة في عالم متغير ليجد مكانه تحت الشمس.

وأخيراً وليس آخراً، فإن التربية ليست استثماراً كغيره من الاستثمارات التي تقاس بنتائجها الظاهرية السريعة، ولكنه استثمار طويل الأجل بعيد المدى، وهو ـ حين تظهر نتائجه وقد حققت الأهداف المبتغاة ـ لا يعادله أي استثمار في الوجود.

فكل ما ينفق في هذا الصدد من الأموال الطائلة سيحقق حلم الوطن الحقيقي لأنه الثروة الدائمة الباقية بعد أن تزول كل الثروات المرشحة للزوال عاجلاً أو آجلاً. إن التعليم يستحق من المجتمعات والدول كل فلس ودرهم لأن بناءه هو البنية التحتية التي ينهض فوقها ما هو أثمن وأبقى من ناطحات السحاب.

latifa64@emirates.net.ae

جامعة الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات