استحقاق الانتخابات الفلسطينية ـ علي بدوان

استحقاق الانتخابات الفلسطينية

لعل من أبرز ما أفرزته المرحلة الأولى من الإعداد والاستعداد الفلسطيني الرسمي وغير الرسمي للانتخابات التشريعية القادمة المقرر إجراؤها يوم 25/1/2006، هذا الكم الكبير من تزاحم القوائم الانتخابية ومن إعداد المرشحين للمقاعد ال132 المخصصة لعضوية المجلس التشريعي.

وتنوع المشاركة الفلسطينية من أقصاها إلى أقصاها في لوحة الموزاييك السياسي والفكري التي تصطبغ بها الحالة الفلسطينية، باستثناء حركة الجهاد الإسلامي التي أعلنت عن مقاطعتها الكاملة للعملية الانتخابية من منطلق سياسي مرده الموقف الجذري من التسوية من أساسها، ومن القانون الانتخابي ذاته الذي تسير عمليات الإعداد والاستعداد على سكته.

وترافقت عملية الحضور والإقدام على تسجيل القوائم المختلفة في العملية الترشيحية للانتخابات التشريعية، تفاقم ظاهرة الاستقطاب في الساحة الفلسطينية بين الكتلتين السياسيتين الأكبر في ساحة العمل الفلسطيني ممثلتين بحركتي فتح وحماس المؤهلتين لحصد غالبية عضوية المجلس وفق مؤشرات استطلاعات الرأي في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.

وضياع قوى القطب الثالث الممثلة للتيارين القومي والديمقراطي اليساري، بعد عجزها وفشلها في التوصل إلى قائمة موحدة نظراً لاعتبارات مختلفة يقف على رأسها التراكم السلبي من العلاقات المتردية تاريخياً بين أقطاب هذا التيار.

وطغيان منطق «النرجسية الذاتية» والأنانية التنظيمية بين أطرافه بعيداً عن الخلاف البرنامجي الذي تتلحف به البعض من القوى اليسارية، وعلى هذا الأساس جاء تشتت قوائمها على قوس يمتد إلى نحو عشر قوائم، أهمها :

القائمة اليسارية الأساسية ممثلة بقائمة الشهيد أبو علي مصطفى التي تضم مرشحي وأنصار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، قائمة العدالة والتنمية الممثلة لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني.

وقائمة الشهيد أبو العباس الممثلة لجبهة التحرير الفلسطينية، وقائمة البديل المشكلة من تحالف حزب الشعب الفلسطيني، وحزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (حزب فدا) والجبهة الديمقراطية، وقائمة المبادرة الوطنية بقيادة اليساري الفلسطيني مصطفى البرغوثي، إضافة لقائمة تكنوقراط اليسار والتيار العلماني «سلام فياض، ياسر عبدربه، حنان عشراوي».

وعليه فإن التشتت في توزع قوائم القطب الثالث وضياعها بين القطبين الأكبر، ووجود حالة التنافس «الاحترابي بين أطرافها» سيجعل من أصوات القاعدة اليسارية والقومية تذهب في كل حدب وصوب، دون أن تعطي نتيجة حاسمة تمكنها من إيصال العدد المناسب من مرشحيها إلى موقع النجاح والفوز بعضوية المجلس التشريعي. وفي المحصلة فإن تشتت أصوات القطب الثالث سيصب لصالح القائمتين الأكبر الممثلتين بحركتي فتح وحماس.

وفي هذا السياق، ومع كل الملاحظات التي يمكن تسجيلها، فإن قائمة الجبهة الشعبية (قائمة الشهيد أبوعلي مصطفى) تبقى الأكثر حظاً في إيصال عدد من مرشحيها إلى عضوية المجلس التشريعي، نظراً لاعتبارات شتى، منها تصدر القائمة من قبل المناضل الفلسطيني أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، القابع في سجن أريحا منذ مقتل الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي قبل أربعة أعوام.

كما تنحو مؤشرات قياس استطلاع الرأي لإعطاء قائمة المبادرة الوطنية بقيادة مصطفى البرغوثي، حظوظاً أفضل من غيرها، مع وجود مؤيدين وأنصار لها من قبل شخصيات فلسطينية مستقلة ذات احترام وحضور وتأثير شعبي.

وخلاصة القول، بعيداً عن الدور النضالي الذي لعبته قواعد التيار القومي والديمقراطي الفلسطيني في سياق المشروع التحرري الوطني الفلسطيني ومسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة، فإن قوى القطب الثالث اليسارية والقومية في الساحة الفلسطينية، تدخل العملية الانتخابية التشريعية الفلسطينية في الداخل، مشتتة، ممزقة، متنافسة بشكل غير مبدئ.

ودون اتفاق على الحد الأدنى بين مختلف أطرافها ومكوناتها. فهي قوى مازالت تعيش حالة فوضى الماضي من العمل السياسي الفلسطيني وفي زمن الحرب الباردة، دون أن تدرك بأن واقعاً جديداً قد تشكل على الأرض خلال السنوات العشر ونيف التي انقضت من التاريخ الوطني الفلسطيني المعاصر.

ودون أن تدرك بأن عليها أن تغادر منطق المماحكة اللفظية التي استهلكتها تاريخياً، وأن تغير و«تصلح في أحسن الأحوال» من أدواتها ومن برامجها وفعلها على الأرض، وتقديم القوائم الشابة لمرشحيها مطعمة بأسماء من رجالات «خبرة القديم» وليس في إعادة استنساخ القديم لوحده.

وقبل كل شيء في تجديد المواقع القيادية وإفساح المجال لجيل الشباب الذي نما وترعرع في ميدان الفعل والعمل المباشر، والتخلص من إرث «القاعدة السوفييتية» التي كانت فيها عضوية المكتب السياسي والأمانة العامة من «المهد إلى اللحد» حتى لو أصاب «الزهايمر وخريف العمر» القيادة الأولى.

ان حركة فتح، في واقعها الراهن، ومع أزماتها المتلاحقة، واتساع قاعدتها التنظيمية، تعاني مخاضات الولادة الواعدة لأجيال جديدة تتبوأ تدريجياً مواقع القيادة في سياق «تدافع الأجيال» نقيضاً لمنطق «صراع الأجيال»، وحركتا حماس والجهاد الإسلامي تعلمتا من تجربة الآخرين فحافظت على التوازن في التواصل بين الأجيال في مختلف مواقعها .

ومفاصلها القيادية بين أجيال مواليد الأربعينات (الزهار مثلاً) وبين أجيال الثمانينات(مشير المصري مثلاً)، بينما غالبية قوى القطب الثالث مازالت محكومة بمنطق الحقبة السوفيتية التي تحتفظ ب«العتاولة» وحدهم أمام صعود القاعدة التي دفعت الدماء والضحايا والدموع وضرائب الاعتقال والسجون.

كاتب فلسطيني ـ دمشق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات