في كل حالات إنهاء الخدمة التي مرت بها مؤسساتنا الرسمية كانت الظروف الإنسانية تراعى فيها، وأقصد هنا انهاء خدمات غير المواطنين.

حيث تتم مراعاة عدم تسليم قرارات إنهاء الخدمة خلال العام الدراسي، حفاظا على مستقبل أبناء الموظفين، وحتى لا يتضاعف ضرر الأسر بفقدان الوظيفة وضياع سنة دراسية من عمر الأبناء.

وفي الحالات القليلة التي خالفت تلك القاعدة، سمح للموظف المنتهية خدماته بأن يبقى في السكن الحكومي إلى ما بعد نهاية الامتحانات، مع العلم بأن هذا الموظف يحصل على راتب ثلاثة أشهر «بدل إنذار» تحسب منذ صدور قرار إنهاء الخدمة.

ذلك يحدث لغير المواطن. اما المواطن فلا يراعى في أي جانب إنساني من جوانب حياته فخدماته تنهى في منتصف العام الدراسي، وأولاده ليس مسؤولا عنهم سواه، هكذا يقال له، وسكنه يجب ان يخلى بعد شهر واحد من استلامه قرار الإحالة إلى التقاعد، ولا يستحق «بدل إنذار» ولا «بدل اقصاء أو مفاجأة».

نجد في طيات القرارات المتعلقة بالمواطنين تعسفاً في اللهجة والأسلوب والتصرف، دون التفات لسنوات الخبرة، ودون مراعاة لأصول التعامل والتقدير والاحترام، فجأة يجد المواطن نفسه خارج دائرة العطاء والرعاية، ومطلوب منه ان يصمت، ان يتقبل الأمر غصبا عنه، وان يخضع لإرادة الفرد الواحد.

وان ينسى أننا أصبحنا نتغنى بعصر المؤسسات والنظام والمسؤولية المشتركة، وان يستسلم لإرادة أولئك الذين رسخوا ثقافة الشطب والإبعاد في مجتمعنا الآمن ليس لأنهم على حق، ولكن لأنهم يملكون حق التشهير والذم والاتهام بالباطل، وتسمع أصواتهم، اما الآخرون فلا صوت لهم، ولا تنفتح امامهم أبواب الذين يسمعون.

وما دامت العين لا ترى والأذن لا تسمع، وما دام لا يزال بيننا من يظن ان قرار الإحالة إلى التقاعد هو الحل لإرضاء هذا المسؤول او ذاك، وما دام المسؤول نفسه يعلق فشله وتقصيره على مجموعه من الموظفين، فهذا بلا شك هو المصير الذي ينتظر كل مؤسساتنا.

ويبدو ان الطريق مازال طويلا امامنا حتى نصل إلى مرحلة سيادة النظام والقانون، ودون زعل، حتى نغلب النظرة الإنسانية على رغبات الإفراد المميزين.

myousef_1@yahoo.com