من أي زاوية نظرت إليه كان «التجمع الوطني الديمقراطي» تحالفاً تكتيكياً مرحلياً ـ سواء من منظور الأحزاب الشمالية أو منظور «الحركة الشعبية» الجنوبية لا يربط بين أعضائه هدف رئيسي سوى إسقاط «نظام الإنقاذ» ـ وإلا ما الذي يجمع بين الصادق المهدي صاحب برنامج «الصحوة الإسلامية» .

ومحمد عثمان الميرغني الذي يتبنى كزعيم طائفة دينية أجندة إسلامية تنطلق من أن آل الميرغني ينحدرون من البيت النبوي الهاشمي وبين قادة الحركة الجنوبية الذين هم أصلاً غير مسلمين؟

هذه الحقيقة هي التي تفسر لنا لماذا تلقفت الحركة أول مبادرة في الولايات المتحدة للدخول في عملية تفاوضية جادة مع نظام الإنقاذ تحت إشراف أميركي ومن وراء ظهر قيادات التجمع الشمالية.

وفق الترتيب الأميركي للعملية التفاوضية أقصيت القيادات الشمالية وإلا لماذا طالب الصادق المهدي ولا يزال يطالب بإعادة التفاوض على اتفاق السلام وعرضه على مؤتمر دستوري قومي..

بل وحتى إجراء استفتاء عليه؟ ولماذا احتج الميرغني على النسب المئوية لقسمة السلطة التي لا تعطي لأحزاب المعارضة الشمالية مجتمعة سوى 14 في المئة مقابل 28 في المئة للحركة الشعبية وحدها و52 في المئة للمؤتمر الوطني؟

إقصاء القادة الشماليين المعارضين كان فعلاً أميركياً متعمداً لأن الوسيط الأميركي أراد للعملية التفاوضية أن تكون محصورة بالدرجة الأولى في قضية الجنوب ومستقبل علاقته ـ أو عدم علاقته ـ مع الشمال. ولأن الإدارة الأميركية كانت حريصة على أن ينال الجنوب أكبر قدر من المكاسب على حساب الشمال فإن استبعاد قادة المعارضة الشماليين كان الغرض منه إضعاف الموقف التفاوضي للشمال.

واني في هذا الصدد لأعجب كل العجب ممن يحاول أن يوهمني بأن مشكلة الجنوب لم تكن القضية الرئيسية المطروحة على مائدة التفاوض وأن «الحركة الشعبية» كانت تتفاوض من منظور قومي لا منظور جهوي.

لماذا إذن نص «إعلان المبادئ» في مشاكوس على قاعدة «نظامين ودولة واحدة» أي، كما حدد الإعلان: نظام للشريعة الإسلامية في الشمال ونظام علماني في الجنوب؟

ولماذا نص اتفاق نيفاشا على تقرير المصير للجنوب تحديداً وحصراً؟

ولماذا أتى إعلان المبادئ على ذكر حدود الجنوب ونص على أن تكون هي حدود الأول من يناير 1956؟

ولماذا تضمن اتفاق السلام إقامة حكومة للجنوب؟

أعجب من كل ذلك لأن هناك من يريدون تغطية ضوء الشمس بغربال.

وأعجب أكثر من ذلك من تزوير التاريخ القريب. فبينما يقول الكاتب الجنوبي مدنيق ودا منيل أن «الحركة الشعبية» تفاوضت مع كافة الأنظمة المتعاقبة في الخرطوم فإنها في الحقيقة لم تتفاوض إلا مع «نظام الإنقاذ».

حتى الحكومة الديمقراطية برئاسة الصادق المهدي رفضت الحركة التفاوض معها إلا إذا أتى إليها المهدي كرئيس حزب فقط وليس كرئيس وزراء. أما ما يطلق عليه اتفاق «الميرغني قرنق» فلم يكن سوى بروتوكول انحصرت بنوده في شروط الحركة للدخول في تفاوض.

ثم ان الميرغني وقع على الوثيقة بصفته «رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي» .. فلم يكن له صفة حكومية.

ويبقى سؤال محوري: لماذا دخلت الولايات المتحدة رسمياً على خط مشكلة الجنوب؟