نماذج النظم الديمقراطية ـ د. محمد عبد العزيز ربيع

نماذج النظم الديمقراطية

الديمقراطية هي نظام حكم سياسي مرن من شأنه تمكين الشعب من حكم نفسه بنفسه، وهذا، جعل بالإمكان تطور أكثر من صيغة مؤسسية لتجسيد الفكرة الديمقراطية، وبناء أكثر من هيكل تنظيمي لتمثيل الشعب وقيام السلطة السياسية المنتخبة بتصريف شؤون الدولة نيابة عنه.

ولقد جاء هذا التنوع في أنظمة الحكم الديمقراطية بسبب تباين الخلفيات الثقافية والتاريخية للشعوب التي تبنت الفكرة الديمقراطية، والنجاح في تشكيل نظم مختلفة تحظى بموافقة الشعوب ورضاها. وهذا يعني أن قبول الشعب بالنظام السياسي القائم أو المقترح أصبح شرطا أساسيا لحصول النظام على الشرعية التي تؤهله لممارسة الحكم.

وبالتالي أصبحت ديمقراطية النظام مصدر شرعية الحاكم. وحيث أن الشعب، كل شعب، ينقسم عادة إلى طبقات اجتماعية وفئات طائفية وتجمعات ذات مصالح خاصة، وتيارات فكرية وعقائدية متباينة أساسها العرق أو الدين أو الثقافة أو اللغة أو المصلحة أو الموقع الجغرافي، فإن المشاركة الشعبية الكاملة في الحكم أصبحت معقدة جدا، بل شبه مستحيلة.

لذلك اتجهت النظم الديمقراطية عموما إلى اعتبار الشعب مصدر الشرعية، واعتبار العملية الانتخابية الوسيلة المجتمعية السليمة لممارسة الديمقراطية، واعتبار رأي الأغلبية الشعبية ملزما لرأي الأقلية.

في ضوء هذه الاعتبارات أصبحت السلطة السياسية خاضعة لإرادة الأغلبية الشعبية بوجه عام، ومسخرة للدفاع عن وجهة نظرها بوجه خاص، وموظفة في الوقت ذاته لخدمة مصالح النخب الحاكمة وتعزيز مواقعها الاجتماعية. ولقد ترتب على ذلك ظهور أغلبية مسيطرة كالبيض في أميركا.

وذلك مقابل السود والمهاجرين من دول أميركا الجنوبية وغيرهم، وذوي الأصول الفرنسية في فرنسا، وذلك مقابل المهاجرين من إفريقيا من عرب وغير عرب، والأتراك مقابل الأكراد في تركيا.

وبسبب سيطرة الأغلبية على الحكم تبلورت في كل مجتمع أقليات فقيرة ومستضعفة عاشت على هامش الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في كل المجتمعات الديمقراطية، الغربية منها وغير الغربية.

تنقسم النظم الديمقراطية عموما إلى قسمين رئيسيين: نظم برلمانية ونظم رئاسية. وبينما يعتبر نظام الحكم في بريطانيا من ابرز النظم البرلمانية، يعتبر نظام الحكم في الولايات المتحدة الأميركية أبرز النظم الرئاسية.

ويقوم الشعب من خلال النظامين البرلماني والرئاسي على السواء بانتخاب ممثلين عنه كأعضاء في المجلس التشريعي أو مجلس النواب، وانتخاب مجلس للشيوخ أحيانا، وقيام تلك المجالس بمناقشة وإقرار القوانين والتداول بشأن السياسيات العامة للدولة واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.

وتعني عملية قيام الشعب بانتخاب أعضاء المجالس التشريعية، وحصول تلك المجالس على حق مراجعة السياسات العامة للدولة وسن القوانين ومنح أو حجب الثقة عن الحكومات حصول الشعب على حق حكم نفسه بنفسه من خلال ممثليه، وبالتالي اعتماده مصدرا للشرعية.

في النظام البرلماني، يقوم رئيس الحزب الأكبر في البلاد أو التكتل الحزبي الأكثر نفوذا في مجلس النواب بتشكيل الحكومة وعرض برنامج حكومته على المجلس لمناقشته والحصول على موافقة الأغلبية البرلمانية. ويكون على المجلس، بعد مناقشة مستفيضة، الموافقة على برنامج الحكومة المقترح أو تعديله أو رفضه.

وهذا يجعل السلطة التنفيذية في يد الأغلبية البرلمانية، ويجعل من واجب المجلس النيابي مراقبة أعمال الحكومة باستمرار وتقييم انجازاتها ومناقشة كل المستجدات من سياسات وقرارات بصفة منتظمة، كما يجعل من حق المجلس إعادة طرح الثقة بالحكومة وحجب الثقة عها عند الضرورة.

في حالة قيام المجلس برفض برنامج الحكومة المقترح أو الاعتراض على التشكيلة الحكومية أو حجب الثقة عنها، يصبح على الرئيس المكلف الاعتذار عن تشكيل الحكومة..

وعليه يصبح من واجب رئيس الدولة تكليف شخصية جديدة لتشكيل حكومة أخرى، حيث تخضع الحكومة الجديدة ورئيسها المكلف لنفس المقاييس والمعايير وتكون مضطرة لاتباع نفس الخطوات السابقة للحصول على الثقة البرلمانية.

إن تكليف رئيس احد الأحزاب أو الكتل السياسية الرئيسية الممثلة في مجلس النواب بتشكيل الحكومة يجعل السلطة التنفيذية جزءا من السلطة التشريعية، ويجعل بالتالي من السهل على السلطتين العمل معا والتعاون بشكل منتظم. لكن تكليف أحد الأحزاب أو الكتل السياسية بتشكيل الحكومة يترك دوما حزبا أو أحزابا أخرى خارج الإطار الحكومي.

ما يمنح تلك الأحزاب فرصة لتشكيل جبهة معارضة سياسية تحول دون إخفاء الحقائق عن الجمهور ودون ارتكاب أخطاء كبيرة دون محاسبة. أما رئيس الدولة في ظل هذا النظام فهو غالبا ما يكون ملكا تقليديا تنازل عن معظم سلطاته التنفيذية، أو رئيسا ينتخبه مجلس النواب دون سلطات حقيقية.

في النظام الرئاسي، يقوم الشعب عادة بانتخاب رئيس الدولة بالاقتراع المباشر وذلك إضافة إلى القيام بانتخاب أعضاء مجلس النواب، مما يجعل الرئيس المنتخب رئيس السلطة التنفيذية. ويقوم الرئيس المنتخب بناء على ذلك باختيار أعضاء الحكومة والحصول على موافقة مجلس النواب على تعيين الوزراء وكبار رجال الدولة.

أما السلطة التشريعية فتبقى دوما في يد مجلس النواب ومن صلاحياته، حيث يكون من حقه استجواب أعضاء الحكومة وكبار المسؤولين فيها بين فترة وأخرى، ولكن دون طرح الثقة بالحكومة، وذلك لأنه من المفروض أن يكون الشعب قد أنجز هذه المهمة حين شارك في انتخابات الرئاسة وقام باختيار رئيس الدولة الذي يقوم بدور رئيس السلطة التنفيذية ويتولى مهام إدارة شؤون البلاد.

يجمع نظام الحكم في فرنسة بين النظامين البرلماني والرئاسي، حيث يقوم الشعب بانتخاب رئيس الدولة بصفة مباشرة ويمنحه سلطات وصلاحيات واسعة لإدارة الشؤون العامة، بينما يقوم الرئيس المنتخب بتعيين رئيس التجمع السياسي الأكثر نفوذا في مجلس النواب رئيسا للوزراء.

ويقوم رئيس الوزراء المكلف بتشكيل مجلس الوزراء واستلام مهام تصريف شؤون البلاد، وبالتالي يتم تقاسم صلاحيات السلطة التنفيذية بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء.

من الواضح أن السلطة التنفيذية تنبثق عن السلطة التشريعية في النظام البرلماني، مما يجعل التعاون والتنسيق بين السلطتين سهلا وطبيعيا. وهذا يجعل في مقدور التجمع السياسي الأكثر نفوذا في مجلس النواب احتكار السلطة التنفيذية.

وذلك إلى جانب التأثير المباشر في قرارات السلطة التشريعية، وأحيانا احتكار تلك السلطة أيضا. كذلك يتيح النظام البرلماني للتجمع السياسي الحاكم فرصة التحكم بالخبر الصادر عن الدولة وصياغة الرسالة الإعلامية الرسمية، وبالتالي التلاعب في مواقف وتوجهات الرأي العام.

كما يتيح له أيضا التلاعب المشروع في الانتخابات من خلال اللجوء إلى حل مجلس النواب قبل الأوان والدعوة لإجراء انتخابات جديدة إذا ما شعر بأن لديه فرصة جيدة لزيادة حصته في المجلس، خاصة عندما تكون المعارضة السياسية داخل المجلس قوية، وفرصتها في الحفاظ على مواقعها داخل المجلس وخارجه من خلال انتخابات جديدة ضعيفة.

أما في النظام الرئاسي فإن السلطة التنفيذية تنبثق عن الشعب مباشرة، حيث يقوم الشعب بانتخاب رئيسها بالاقتراع المباشر أثناء الانتخابات الرئاسية التي تجرى عادة بشكل دوري منتظم. وهذا يحرم الرئيس حق التدخل في شؤون السلطة التشريعية، أو حل مجلس النواب قبل انتهاء مدته القانونية، مما يحقق الفصل الكامل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

لذلك تتصف العلاقة بين السلطتين في ظل هذا النظام بالتنافس، وأحيانا بالتوتر، خاصة عندما يفشل حزب الرئيس المنتخب في الحصول على الأغلبية البرلمانية، وحين تكون المعارضة السياسية قوية، وحين يتصف الرئيس بالضعف، أو يقوم بارتكاب أخطاء كبيرة.

وهذا يؤدي في حالة حدوثه إلى تشجيع السلطة التشريعية على تنازع الصلاحيات مع السلطة التنفيذية وأخذ زمام المبادرة أحيانا والقيام باقتراح برامج عمل وسياسات هي من صلب اختصاصات السلطة التنفيذية.

لذلك يكون النظام الرئاسي عادة أقل قدرة على الحسم وأكثر ميلا للقبول بالقرارات التوفيقية والحلول الوسط التي كثيرا ما تفشل في التعامل مع الأزمات بالسرعة والحزم المطلوبين. لكن الديمقراطية.

وبغض النظر عن شكل النظام السياسي القائم تشترط فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية عن بعضها البعض، وتنص دوما على استقلالية القضاء.

وكما سيتم إيضاحه فيما بعد، هناك سلطة رابعة أصبحت من ضرورات استكمال شروط العملية الديمقراطية... إنها الإعلام الذي لا بد وأن يتمتع بالحرية والحياد والموضوعية والاستقلالية كي يقوم بدوره في المجتمع كرقيب أمين على السلطات الأخرى.

professorrabie@yahoo.com

اكاديمي أميركي من أصل عربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات