يكاد الكل يجمع على أن أزمة المثقفين العرب الكبرى مع حكامهم وساستهم إن لم تكن في انقطاع خطوط التواصل بين الطرفين فهي تكمن في أن أحلام المثقفين وطموحاتهم في مجال الثقافة والفن والجمال أكبر من أحلام وطموحات الحكام والساسة في هذا المجال.

وإذا كانت هذه القاعدة تنطبق على كل مثقفي العالم العربي وتشكل أساس الأزمة مع حكامهم وساستهم فهي لا تنطبق على مثقفي الإمارات وحكامهم الذين لم تنقطع خطوط التواصل بينهم يوما.

لكن الأكثر من هذا هو ما لمسه أعضاء مجلس دبي الثقافي عندما فاجأهم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي بطموحاته التي تفوق الخيال، ولا تعترف بالمحال، وتحقق لهم أكثر مما تتسع له ساحة الآمال.

ما الذي يحدث عندما تأتي حاملا معك الحد الأدنى من أحلامك وطموحاتك الكبيرة كي لا تثقل على صاحب القرار فتجد صاحب القرار قد أعد لك مفاجأة تفوق كل تصوراتك و تحقق لك أكثر من الحلم؟

لا شك أن موجة من الانبهار ستغمرك إلى الدرجة التي ربما تطغى على شعور الفرح الذي يجتاح كيانك في تلك اللحظة. وهذا هو ما حدث بالضبط لأعضاء مجلس دبي الثقافي عندما انتقل بهم سمو الشيخ محمد بن راشد من القاعة الأولى .

- حيث تشعب الحديث حول العمل الثقافي وآفاقه وأهميته - إلى القاعة الثانية حيث كانت المفاجأة في انتظارهم متمثلة في المصممة المعمارية العالمية زهى حديد التي قدمت عرضا مبهرا لتصميم هندسي رائع لدار أوبرا تقام وفق أحدث المواصفات الفنية والهندسية، لتصبح معلما حضاريا وفنيا يضاف إلى معالم دبي العديدة التي أصبح العالم يعرفها، بل ويحفظها عن ظهر قلب، ويحاول تقليدها أو على الأقل مقاربتها.

بين الثقافة والسياسة خصومة يعتقد البعض أنها حتمية، ويرى آخرون أنها تاريخية. وبينها وبين الاقتصاد خطوط يقول البعض إنها لا تلتقي أبدا رغم كل المحاولات التي بُذِلت وتُبذل لعقد نوع من المواءمة بينهما.

هذه أيضا قاعدة أخرى يكاد يسلم أغلب الناس بها، بينما يرى آخرون أنه لا دليل عليها عبر تاريخ البشرية، مستشهدين بعهود عم فيها الرخاء .

ونما الاقتصاد فازدهرت إلى جانبهما الثقافة والعلوم وعلا شأنهما، ضاربين المثل بالعصر الذهبي للثقافة والتجارة الإسلامية الذي بلغ أوجه في عهد الخليفتين العباسيين هارون الرشيد وابنه المأمون الذي أنشأ «بيت الحكمة» للترجمة والأبحاث، وكان ينفح من يترجم كتابا عن الفارسية أو السريانية أو الإغريقية وزن الكتاب ذهبا.

بل إن البعض يذهب بعيدا في دحض هذه النظرية قائلا: إن الثقافة والعلوم لا تزدهر في ظل الكساد الاقتصادي، حيث ينشغل الناس بالجري خلف لقمة العيش، منصرفين عن كل ما عدا ذلك من أمور واهتمامات تغدو إلى جانب توفير لقمة العيش ترفا من العبث التفكير فيه.

والحديث في هذا الشأن يقودنا إلى ما تشهده الإمارات من ازدهار اقتصادي يكاد يطغى على كل شيء، ويرسم ملامح الصورة التي يراها الجميع مبهرة، خاصة.

وهي تسجل كل يوم نجاحات متلاحقة في عالم المال والأعمال، حتى غدا الآخرون يلهثون محاولين اللحاق بها، أو الاقتراب منها، بينما توسِّع هي المسافة بينها وبين الآخرين وتبهر العالم بالمبادرات التي تطلقها كل يوم.

تُرى هل طغت هذه الصورة على (الوجه الآخر لدولتنا وحبها للحضارة والسلام والثقافة) أم أنه لم يزل بَعْدُ لدولتنا (بُعْدٌ حضاري وإنساني وثقافي موازٍ لبُعْدِها وثقلها الاقتصادي والتجاري والعمراني)؟

هذا هو السؤال الذي أجاب عنه سمو الشيخ محمد بن راشد الأسبوع الماضي عندما ترأس اجتماع مجلس دبي الثقافي وأمر بإنشاء دار للأوبرا في دبي ومتحفين؛ أحدهما للفنون والآخر شامل، وإتمام وتجهيز مبنى ندوة الثقافة والعلوم.

وإذا كان للنجاح قصة لها أبطال يصنعون أحداثها ويحركونها فإن قصة نجاح دولتنا الحبيبة - كما قال سموه - قد شاركت في صنعها المبادرات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، لكن هذا وحده غير كافٍ كما يرى سموه، إذ يجب أن تقابل هذه المبادرات مبادرات ثقافية تبدعها عقول وأفكار شريحة الشباب المثقف من أبناء وبنات الوطن.

هكذا يضع سموه الأمور في مسارها الصحيح، ويعيد التوازن لكفة الميزان التي اعتقد البعض أنها قد مالت ناحية الاقتصاد والتجارة على حساب الفكر والثقافة ( لأننا نريد لدولتنا العزيزة أن يكون لها بُعدٌ حضاري وإنساني وثقافي موازٍ لبُعدِها وثقلها الاقتصادي والتجاري والعمراني ).

كما قال سموه مصححا المعادلة التي كادت تغلّب الجانب المادي على الجانب الحضاري والإنساني والثقافي، كي يعيد التوازن الذي أوشك أن يختل لدى أولئك الذين يزنون الأمور بمنطق السوق القائم على الربح والخسارة.

وهو منطق لو طبقناه هنا ( في عالم الثقافة والفن والجمال ) لوجدنا الربح فيه إذا ما تحقق كبيرا، والخسارة إذا ما حدثت - لا سمح الله - فادحة وموجعة، لأنها خسارة تمس روح الأمة وحضارتها وتراث البلد وموروثه الإنساني والأخلاقي.

لعل هذا هو ما دعا سمو الشيخ محمد بن راشد إلى التأكيد على إطلاق المبادرات الثقافية، والتركيز في المرحلة المقبلة على العمل النشط والجاد لإبراز البُعد الإنساني لثقافة شعبنا العربي المسلم، وترسيخ الوجه الحضاري لدولتنا، من خلال المبادرات الثقافية التي تجسد تراثنا وتاريخنا وموروثنا المعيشي والإنساني والفولكلوري الأصيل.

ويبقى دور المثقفين أنفسهم الذي أراد سموه أن ينهضوا به بعد أن هيّأ لهم كل الوسائل كي يعكسوا الوجه الحضاري والإنساني والثقافي لدولتنا، لتغيير ملامح الصورة التي كادت تنحصر في قلاع الاسمنت التي نفخر بأننا قد صنعنا بواسطتها قصة نجاح فريدة، لكنها ليست القصة الوحيدة التي صنعناها .

ويحق لنا أن نفخر بها، فالحجارة وحدها لا تصنع حضارة لأن مآل الحجارة ما لم يقم إلى جانبها فكر إلى زوال، ولأن ما تبنيه العقول وتبدعه المواهب هو الذي يقول إن بشرا يتمتعون بحس إنساني عالٍ قد مروا من هنا، وساهموا في صنع حضارة إنسانية رائعة، وخلّفوا شواهد وأدلة هي الباقية في الأذهان على مر العصور وتعاقب الأزمان.

ليس غريبا على سمو الشيخ محمد بن راشد أن يكافئ متذوقي الثقافة والفن والجمال بهدية من هذا النوع لأنه رائدهم، ولأنه ذلك الشاعر الذي يعرف بحسه المرهف، والقائد الذي يعلم بحكمته البالغة أن ما يسعد المثقفين وقادة الرأي هو أن يروا قادتهم وحكامهم يقرأون أفكارهم.

ويبادرون إلى تحقيق أحلامهم، ولأنه يدرك جيدا أن الثقافة الأصيلة بحاجة إلى من يتعهد غرسها حتى يشتد عوده، وأن الفن الراقي بحاجة إلى من يمهد له الأرض كي ينمو ويترعرع وتتفتح زهوره، وأن الجمال الحقيقي لا ينبع إلا من النفوس الجميلة التي ترى كل ما في الوجود جميلا.

وليس في وسع متذوقي الثقافة والفن والجمال بعد كل هذا الذي عايشوه ورأوه و سمعوه من سمو الشيخ محمد بن راشد إلا أن يرددوا مع شاعرهم الكبير المتنبي:

وإذا كانتِ النفوسُ كِباراً

تَعِبتْ في مُرادِها الأجسامُ

aliobaid2000@hotmail.com

عضو مجلس دبي الثقافي