تغذية الصحافيين ـ د. هيام عبدالحميد

تغذية الصحافيين

في تقرير بعنوان (التغذية الراجعة.. الصحافيون يفتقرون إليها والمديرون يتجنبونها) صادر عن مركز الإدارة الإعلامية في شيكاغو جاء من ضمن النتائج، أن المديرين القائمين على غرف الأخبار يتجنبون بشكل كبير تغذية الصحافيين بتقييمات مستمرة عن انجازاتهم وعملهم.

وحصرت الأسباب التي تجعلهم مترددين في تعليقهم على عمل وعطاء الصحافيين في عدة نقاط منها أولاً: الخوف من جرح مشاعر الصحافيين، ثانيا:

الخوف من أن يؤدي الانتقاد الدائم سواء الايجابي أو السلبي للصحافيين الى تدني أكثر في إنتاجهم، ثالثا: تنبأ البعض بأن ذلك سيقود إلى فتح باب الجدل الدائم حول من المخطئ في هذا التقييم ومن المصيب، رابعا:

بعضهم أبدى بأنه لا يملك الحق في تقييم الصحافيين ممن هم أطول منه باعا وخبرة في الميدان الصحافي، خامساً: علق البعض بأن تقييم من يعمل في الصحافة لأكثر من 20 عاما لا يقدم ولا يؤخر ولا يحدث تأثيرا عليه، سادساً: قال البعض منهم بأن الموقف عموما سيزداد (قبحا) بوجود التغذية المرتدة وإعلام الصحافي باستمرار بإنتاجه وعطائه.

وأوصى التقرير بضرورة تصحيح العلاقة القائمة بين المسؤولين في الإعلام من مديرين ومشرفين وبين الصحافيين عن طريق تصحيح العلاقة القائمة بين المسؤولين و(التغذية الراجعة) التي تعتبر من أهم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم تجاه العاملين لديهم من الإعلاميين.

وبغياب التقييم يكون الصحافي كمن يعمل في الظلمة لعدم اطلاعه على أية مؤشرات سلبية أو ايجابية على انجازه وعطائه. ومن ناحية أخرى فإن التقييمات المستمرة لعمل الصحافيين تدفع لتحسين الأداء ولإقامة علاقة صحية بين المسؤولين والعاملين ضمن صلاحياتهم من الصحافيين.

في دراسة محلية في دولة الإمارات اتخذت من إحدى المؤسسات الصحافية حالة دراسة قامت بقياس بعد العلاقة القائمة بين الصحافيين والقائمين المباشرين عليهم من رؤساء أقسام ومشرفين.

ووجدت الدراسة ان العلاقة القائمة بين الصحافيين والقائمين عليهم تقوم على مبادئ إنسانية وغالباً ما يمارس المشرف أو رئيس القسم دور الأب أو الأخ أكثر منه دور المدير أو المسؤول.

وفي كثير من الأحيان يكون الدافع الرئيسي للمشرف أو لرئيس القسم لتبني دور انساني في العلاقة حتى في التقييم مرده إلى قلة صلاحيات الرئيس أو المدير نفسه.

بمعنى ان المسؤول غالبا ما يشعر بأن العاملين لديه واقعون تحت ظروف صعبة وضغوط عمل كبيرة وفي المقابل لا يتلقون ما يتماشى مع هذا المجهود المبذول من راتب أو امتيازات أو تقدير من قبل الإدارة.

ويؤدي هذا الشعور من قبلهم متزامنا مع شعورهم بعدم امتلاك الصلاحية لزيادة الراتب أو رفع الامتيازات أو لفت نظر الإدارة إلى أهمية تشجيع الكوادر لديهم، يؤدي إلى قيامهم هم(رؤساء الأقسام) بسد هذا الفراغ عن طريق التعاطف والتحفيز ولو في أضيق صورة.

مطالب الصحافيين ـ في المقابل ـ واضحة وهي الحاجة إلى المزيد من التواصل بينهم وبين القائمين والمشرفين عليهم عن طريق الإكثار من التغذية الراجعة.

ويرى الصحافيون ان عدم تلقيهم مؤشرات على انجازهم وعطائهم يدل على إخفاق القائمين عليهم في واحدة من ابرز مسؤولياتهم وهي الإشراف والمتابعة. ويبدي الصحافيون رغبة في سماع ردة أفعال مسؤوليهم على كتاباتهم وتغطياتهم حتى لو كانت سلبية.

ومن التعليقات التي وردت في التقرير السابق ذكره على لسان الصحافيين ممن شاركوا في التقرير قول أحدهم: (أنا لا أتلقى أية ردود فعل على عملي بالسلب أو بالإيجاب، أريد ان اسمع شيئا منهم مباشرة حتى لو كان محبطا). وعلق آخر:( أنا لا اعرف إطلاقاً كيف هو مستواي لأنني لا أتلقى شيئا يدل عليه).

وقال ثالث:(إن الصحافي الجيد يحتاج إلى ان يسمع تعليقا على أدائه، انه لم يحدث ان علق مسؤول على عملي قط، لم يحدث ان قال لي احد منهم في يوم ما إنني أنجزت عملا طيبا أو بأنه كان من الممكن ان أنجز بشكل أفضل).

ان مسؤوليات الطاقم الإداري داخل المؤسسات الصحافية هو الاهتمام بعنصر (التغذية الراجعة) وتزويد الصحافيين بها حسب المستوى الإداري لكل مسؤول.

فعند المستوى الأول الذي يضم المشرفين المباشرين عن الصحافيين أثناء ساعات الدوام اليومي تكون المسؤولية كبيرة ومتشعبة لأن هؤلاء المشرفين هم من يحتك بالصحافيين بشكل يومي ومباشر ويفترض ان يكونوا متفوقين بالخبرة والمهارة على الصحافيين الميدانيين.

هؤلاء مطالبون بالصرامة ولكن بالعدالة في التعامل ومطالبون بالنقد البناء وبتزويد الصحافيين دائما بالتوجيه وضمان تطبيق سياسات الصحيفة وحل المشاكل اليومية ورفعها إلى الإدارة في حال تكررها وعدم القدرة على حلها. كما يقع في دائرة مسؤولياتهم دعم الصحافيين وتزويدهم بالمعلومة والاستماع الى شكواهم وتوضيح المطلوب منهم.

مديرو المستوى المتوسط مطالبون بالتركيز أكثر على تسيير العلاقة القائمة بين الأقسام المختلفة في المؤسسة أكثر من الانخراط في دورة العمل اليومي. أما مستوى الإدارة العليا فهو المعني بمتابعة مستوى الأداء العام للصحيفة ورسم الاستراتيجيات والأهداف والتوجهات وتحفيز الكل على العمل الجماعي والسعي لتحقيق الرؤية العامة للمؤسسة.

وتؤكد الدراسات الإعلامية على ان الطاقم الإداري بكافة مستوياته مسؤول عن عملية التحفيز وتغذية العاملين من محررين وصحافيين وإعلامهم بنتائج نشاطهم.

وتدرج عملية التغذية الراجعة كحق من حقوق الصحافي، ولا يعني ذلك ان تكون العملية مرتبطة فقط بالتقصير عند وقوعه، بل بإرشاده وتوجيهه إلى أفضل السبل لتجويد إنتاجه وعطائه.

على الإدارات الصحافية إضاءة كل ما يحتاج إليه الصحافي من معرفة حول مستواه ونقاط ضعفه وقوته وكيفية تقوية مهاراته وتزويده بالوقت عندما يحين بحقه في زيادة راتبه وامتيازاته.

وكلما كانت هذه الأمور واضحة أمام العاملين في الصحف كلما زادت قدرتهم في المقابل على تطوير إنجازاتهم ومهاراتهم لتتوافق مع ما هو مطلوب منهم وما هو متوقع منهم من قبل الإدارات العليا في هذه المؤسسات.

Heyamm@albayan.ae

مديرة إدارة التطوير ـ البيان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات