عام عربي مختلف ـ د. عمار علي حسن

عام عربي مختلف

لم يكن عام 2005 استثنائيا في تاريخ العرب المعاصر، لكنه كان عاما مختلفا، مقارنة بالسنوات التي خلت، إذ ألقيت أحجار عدة في أماكن شتى من أرض العرب، فحركت المياه السياسية الراكدة، وتدفقت حرارة الحرية في أوصال الجماهير المتطلعة إلى حياة ديمقراطية سليمة وحقيقية ففتحت شرايين سدتها أعوام الاستبداد والفساد.

والإخفاق المتتابع لنخب حقبة الاستقلال أو سنوات ما بعد رحيل الاستعمار. لكن الإرادة لم تكن كافية ليتغير العرب بالمستوى الذي يروق للطامحين من أبنائه، بل ضاعت فرص كثيرة سنحت خلال العام الذي يلملم أوراقه الأخيرة، راحلا إلى الأبد.

فمصر ضيعت فرصة إهداء العرب ديمقراطيتهم المنتظرة، إذ انتهت انتخاباتها الرئاسية والتشريعية إلى كابوس مرعب، والعراق وضع مسمارا في نعش «وحدته الوطنية» و«تكامله القومي» بانتخابات صوّت فيها الناس على أساس طائفي.

بدلا من أن يصوتوا لعراق حر موحد، ليس للطائفة أو الملة أو العرق سلطان فيه على السياسة، والفلسطينيون أفسدوا فرحة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة بالتقاتل بين «فتح» و«حماس» والصراع المستتر بين «الحرس القديم» و«الجيل الجديد» داخل السلطة الفلسطينية ذاتها، في وقت غاب فيه الزعيم الذي كان قادرا على أن يوحد صفهم.

ويجمع شملهم، ويفوت أي فرصة على عدوهم في أن يوجه طاقتهم الغضبية إلى الداخل الفلسطيني، بدلا من أن تندفع في اتجاه المحتل الغاصب، فيخلي أرضا فلسطينية جديدة، أو يفكك مستوطناته الجاثمة على قلب الضفة الغربية.

وفي عام 2005 طفت وطفحت كل عورات العلاقات السورية ـ اللبنانية، وانتهى «تلازم المسارين» أثناء رحلة التفاوض مع إسرائيل التي أطلقها مؤتمر مدريد 1991 إلى صراع الجارين، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

وإجبار القوات السورية على الانسحاب من لبنان. وبدلا من أن تعيد دمشق وبيروت صياغة علاقاتهما على أسس جديدة سليمة، لا تجعل من لبنان خنجرا في خاصرة سوريا، ولا تجعل من سوريا خصما لدودا للبنان، تردت العلاقة بين الجانبين، ووصلت إلى الحد الذي سمح لأطراف دولية طامعة بأن تدس أنفها في بلاد الشام، بعد أن وطأت أقدامها أرض الرافدين.

وإلى الحد الذي يجعل شبح الحرب الأهلية يطل على لبنان بين حين وآخر، كلما تراشق زعماء الطوائف وقادة الكتل السياسية، الهش منها والمتين. وكذلك إلى المستوى الذي جعل سوريا في فوهة المدفع الأميركي.

ولم يفلح السودان في الظفر باتفاق بين الحكومة و«الجيش الشعبي» يحفظ للبلاد وحدتها، حتى في الأمد القصير، إذ إن اتفاقية نيفاشا التي وقعها الطرفان تنطوي على ما يجعل احتمال تفكك السودان واردا، ويزيد من وطأة هذا الوضع أن الخرطوم لم تتمكن من إدارة أزمة دارفور، بما يزيد من درجة هذا التفكك، خاصة في ظل تصاعد مطالب «البجة» في شرق السودان، بأن يكون لهم نصيب عادل من السلطة والثروة.

ولم تتمكن دول المغرب العربي من أن تتجاوز خلافاتها الصغيرة في سبيل إحياء «الاتحاد المغاربي»، رغم أن العام الماضي، قد شهد في بدايته بوادر تحسن بين الجزائر والمغرب، ليستمر هذا الكيان الإقليمي على جموده، وتتبدد فرصة أخرى لتحريكه، ليبقى التغيير الوحيد الذي طرأ عليه وكان فارقا هو الانقلاب الذي شهدته موريتانيا.

وعلى الجانب الآخر من الخريطة العربية المديدة، كيان إقليمي آخر وهو «مجلس التعاون الخليجي» والذي تجنب في قمة أبوظبي الأخيرة الخوض الغزير في قضاياه الداخلية الملحة، وأعطى، لأول مرة، أولوية لمسائل خارجية، لم تغب عن عين الخليجيين يوما، لكنها كانت تأتي دوما تالية لهمومهم المنصبة على كيفية تمتين كيانهم، نظريا وعمليا، وهي الطريق المثلى للحركة السياسية الناجعة، التي ترتب البيت من الداخل، ثم تنطلق إلى الخارج للعب أدوار إقليمية ودولية.

وزاد من أوجاع العرب في العام المنصرم أن أيدي الإرهابيين قد طالت، واشتد ساعدهم ، فتأكدت عودة مصر إلى حزام الإرهاب، بحادث شرم الشيخ، ودخل الأردن إلى الدائرة بتفجيرات العقبة وعمان، واستمرت المواجهات على أرض السعودية، ووقع تفجير في مسرح «الدوحة بلايرز» التابع للمدرسة البريطانية بالدوحة.

لكن عام 2005 شهد ميلاد فرص جديدة، من خلال الانتخابات المحلية التي شهدتها السعودية، والإعلان عن اعتزام الإمارات إجراء انتخابات نصفية، وتمكين المرأة الكويتية بموافقة البرلمان على حقها في الانتخاب والترشيح. ونتمنى ألا يأتي على العرب عام، وتضيع فيه هذه الفرص الوليدة، لأي سبب من الأسباب.

مدير مركز أبحاث

ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات