فاز أحد المصورين الفوتوغرافيين العالميين بالتقاطه الصورة الأكثر تعبيرا قبل سنة أو سنتين، وكانت الصورة الجامدة تمثل واحدة من أقسى (صور) الحياة التي تمر بها البشرية: طفل إفريقي الأصل ربما لم يبلغ سن الثالثة بعد، وقد خارت قواه وضعف جسده من الجوع .
وهو يحاول المشي لخطوات عدة إلا أنه انكفأ على وجهه بينما على بعد أمتار فقط يقف منه طائر النسر الأميركي في انتظار أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ليبدأ في التهامه. وقد أصيب المصور بحالة من الحزن اختفى على إثرها عن الأنظار ثم وجدوه بعد عدة شهور منتحرا!
وقبل شهر أيضا بدأت قناة دبي بالإعلان عن عشاء خيري يذهب ريعه لمساعدة الفقراء في العالم معتمدا على فيلم قصير لا يتعدى طوله الدقيقة الواحدة ولكنه كان مبكيا: طفلة لا تتعدى التسع سنوات تقوم على العناية بأختها الصغيرة بعد أن فقدتا والدتهما ووالدهما بينما هي تغالب دموعها وهي تحاول مواساة الأخرى التي انخرطت في البكاء مختبئة عن أعين الكاميرا!
ولم تكن تلك اللقطة من وحي مخيلات ستوديوهات هوليوود أو بوليوود! ولم يكن الممثلون من أبرع ممثليها من مليارديريات العالم! فقد كان كل شيء حقيقياً مئة بالمئة! ودون أي مؤثرات خارجية.
وأستطيع أن أجزم بأننا جميعا رأينا تلك اللقطتين المؤثرتين. غير أن أكثرنا ذهب بعد ذلك لتناول العشاء على أضواء الشموع والموسيقى الحالمة خاصة وأننا نمر بثلاثة أعياد: عيد الفصح وراس السنة الميلادية وبعدها عيد الأضحى! وكلها أعياد دينية نأكل فيها ونادرا ما نطعم الفقير.
ونحتفل فيها بالغناء والحفلات الصاخبة والموائد التي يرمى 90% منها في النفايات بعد نهاية الاحتفال. بينما على بعد أمتار فقط منا يتلوى الأطفال في جميع أنحاء العالم جوعا وبردا و حزنا.
من المعروف أن جميع الكائنات الحية تولد ثم تبدأ في البحث عن لقمة العيش من أجل استمرارية حياتها وبقائها، ما عدا الكائن البشري الذي لا يكتفي بلقمة عيشه ولكنه يريد المزيد ثم المزيد الذي يزيد بكثير عن حاجته الطبيعية. فنذر حياته لتسمين المصارف الأجنبية بالأرقام التي لا تنتهي أصفارها دون أن يعلم هو نفسه لمن يدخرها من بعده.
ويقال ان العديدين من كبار مليونيرية العالم يموتون فجأة دون أن يكون لديهم وريث شرعي غير الكلب و القط! لقد فقدت الإنسانية إنسانيتها. وأصبحت حدودنا لا تتعدى مساحة المعدة التي لا تفهم إلا لغة الهضم والطحن والامتلاء .
ومع ذلك فهناك من البشر ممن مازالوا يحتفظون بشيء من تلك الإنسانية الضائعة منذ عهود الأنبياء فأسسوا الهيئات الخيرية الصغيرة من أجل مد يد العون وفي حدود ما لديهم لمن لا حول لهم ولا قوة ومنهم من ترك كل شيء خلفه ورحل إلى أبعد حدود الأرض في تلك المهمة الإنسانية الرائعة. لقد خلفت (الحضارة) الجديدة فقرا أكبر من أي وقت مضى.
وأصبح التقدم التكنولوجي على حساب الفقراء. فزادت الهوة بين الفقراء والأغنياء وأصبحت الطبقة الوسطى في طريقها إلى الزوال: فإما أن تكون غنيا أو معدما. لقد أظهر أحد تقارير الأمم المتحدة للبيئة بأن واحدا من أهم أسباب استمرار الفقر في العالم يعود إلى الاستهلاك المفرط للطاقة والمواد الأولية والمصادر الأخرى في الغرب وبعض دول شرق آسيا!
ودول الغرب تدرك تماما بأنها ساهمت من خلال أشكال الانقضاض على دول أفريقيا وآسيا (تحت زيف كلمة استعمار) إلى تردي الحالة المادية لهؤلاء وإنها ما زالت تستنفد مصادرها الطبيعية بأسعار رخيصة وتستخدم سكانها الأصليين كأيد عاملة برواتب زهيدة. فانقسمت الكرة الأرضية إلى نصفين: الشمال والجنوب، وجميع المحاولات لرأب هذا الصدع باءت بالفشل.
لذا لن نستغرب بأن يموت عشرات الآلاف من البشر في العالم سنويا من الجوع أو من سوء التغذية. وإن نسبة الوفيات بين أطفال الفقراء هي الأكبر في العالم!
إن الحل الأمثل لحالات الفقر المميت المنتشرة بين الدول الفقيرة: كالهند والصين وبنغلاديش وباكستان وبعض دول جنوب آسيا ودول أفريقيا وكثير من الدول العربية و أمريكا الجنوبية ودول البحر الكاريبي، لا يكمن فقط في التقاط الصور الفوتوغرافية لحالاتهم المروعة ثم الانتحار بعدها.
ولا في إقامة الحفلات الخيرية لشراء بعض قطع الخبز لهم، وإنما في تطوير تلك المناطق المعدمة. إن هذه الدول في حاجة إلى أن يشترك العالم مجتمعا في إيجاد حل جذري لمأساة الفقر التي أدت إلى مأساة أخرى أكثر ضراوة ألا وهي انتشار الأمراض المميتة كالملاريا والإيدز وانتشار الأمية والجهل بين سكان الدول الفقيرة.
وحيث اننا لا ننتظر من الدول المتقدمة أو الغنية أن تقدم لهؤلاء شيئا من خبراتها الصناعية، فعلى أقل تقدير أن تساهم بجزء لا يتعدى 1 على ألف من ميزانيتها المخصصة للتسلح.
والتي تقدر بمليارات الدولارات وما يوازيها من مصروفات غزو واحتلال لدول فقيرة أصلا ولا طائل من ورائها، أن توجد لهم بيئة عمل مناسبة في قطاع الزراعة والصناعات اليدوية والحرفية التي ستعيد إليهم جزءاً من الاستعمار السابق. إن هؤلاء في حاجة إلى مدارس ومستشفيات ومعاهد تأهيل:
باختصار شديد إلى بنية تحتية تساعدهم على العيش بكرامة والموت بكرامة. إن النظر إلى صورة طفل يموت جوعا أمام أعيننا دون أن نحرك ساكنا وكأننا ذلك النسر الأميركي الجالس منتظرا هلاك طفل ضحية البشرية، يجعلنا في مصاف العقبان التي تحيا على جيف الموتى!
إننا اليوم نحتفل بدخول عام جديد إلى تاريخ البشرية، في حين أن مآسي البشر لم تتراجع بين الحروب والأمراض والفقر والمجاعات وغضب الطبيعة والاحتباس الحراري.... وهي مآس تزداد يوما بعد يوم كنتيجة طبيعية لأنانية الشعوب التي تطلق على نفسها المتقدمة والصناعية والمتحضرة والديمقراطية... والتي تجتمع سنويا لحل قضاياها الخاصة ووضع استراتيجيات اقتصادية جديدة تضمن لها ربحا أكبر....
لقد مات ذلك الطفل أمام أعين البشرية... ومات المصور بعده... ونحن ننتظر لقطة أخرى لنتأكد بأننا لا نستحق الحياة أكثر منه!
dralaboodi@gmail.com
جامعة الامارات