قصص وحكايات وراء كل شخص من أولئك المواطنين الذين يحالون إلى التقاعد دون علمهم أو استعدادهم النفسي والعمري لمثل هذا الإجراء، وما سمعت من هؤلاء حول ما تعرضوا له بعد قرار الإحالة إلا وأحسست بحزن يكاد يفطر قلبي، فهذا لم يكد يكمل خمسة عشر عاماً من العمل، فيها أسس نفسه، وتزوج، ورزقه الله بالأطفال الذين مازالوا في المدارس، وبالكاد حصل على بيت أو بنى لنفسه بيتاً بقرض من مشاريع الإقراض، وفجأة تسلم رسالة تفيد بإحالته إلى التقاعد، وقضي الأمر، ودارت به الدنيا عدة أيام.

وعندما جلس يحسب ماله وما عليه وجد أنه لن يحصل سوى على ستة آلاف درهم، وأن هيئة القروض تريد منه ثلاثة آلاف وبضع مئات، وأن الألفين والمئات الأخرى ستكون هي مصدر توفير المأكل والملبس، ومنها سيدفع فواتير الكهرباء والماء وخلافهما، من الآن وحتى مماته، لن يزيد درهماً، ولا يمكن أن يعمل في أي مكان بحسب القانون، ولا يملك رأس المال الذي يفتتح به مشروعاً تجارياً، هو لايزال في الخامسة والثلاثين من عمره، وأمامه حتى يسدد القرض تسع وعشرون سنة ميلادية، فإن تحدث هذا الشخص وتحشرجت في حلقه الكلمات طفرت الدمعة من عين صاحبكم.

أما الآخر، فهو لم يحصل على بيت، ولم يمنح أرضاً أو قرضاً، وهو من أولئك الذين تسقط اسماؤهم سهواً من كشوفات المنح، ولهذا فهو يسكن في شقة مؤجرة من جهة العمل، هو وعياله، وطار مع الذين طاروا في حملة التقاعد الأخيرة، لأول مرة يرى اسمه ضمن كشف حكومي رسمي، ولم يفرح، وأيضاً لم يحزن، بل إنه لم يفكر في الأمر مطلقاً، ويقول لكل من يسأله لن اتعب نفسي، فهذه الشقة لن أتركها، وفواتير الماء والكهرباء لن أدفعها.

وكذلك أقساط السيارة، فالآلاف الأربعة التي بقيت بعد الخصم والحذف وعدم الاستحقاق من المعاش التقاعدي لن تكفي إلا للكساء والغذاء، ومن سيخرجني مع أطفالي من بيتي هذا مطالب بأن يتكفل بي وبهم، فإما أن يوفر لي المأوى المناسب ويدفع عني التزاماتي المعيشية، وإما أن يأخذني إلى السجن لعدم قدرتي على الدفع ورفض ترك السكن، وهنا أيضاً هو مطالب بأن يؤوي عيالي، ويوفر لهم احتياجاتهم الأخرى.

هناك مآسٍ لا تعد ولا تحصى، وما كان هذان إلا نموذجين، ومن يرغب في معرفة الحقيقة فليبحث عنها، لأنها تفوق ما نراه وما نسمع به، وليت أولئك الذين اتخذوا قرارات «شطب» الرجال من الحياة العملية درسوا حالات هؤلاء، ليتهم فعلوا ذلك.

myousef_1@yahoo.com