ماذا يعني الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن بقوله: إنه يتعهد بالتصدي لأية أطراف إقليمية تسعى لتصفية حساباتها مع إسرائيل وأميركا عبر الساحة الفلسطينية؟

ربما تكون أية إجابة موضوعية عن هذا التساؤل أكثر وضوحاً بطرح سؤال ذي صيغة أعرض فنقول: هل أبو مازن زعيم ثورة أم رئيس دولة؟

لقد نقل عن أبو مازن أنه سيعتقل كل فلسطيني يحاول العمل لصالح جهات خارجية تسعى لتصفية حساباتها مع هذا الطرف أو ذاك بأيد فلسطينية ومن خلال الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. وقيل إن «الجهات الخارجية» المقصودة بهذه الإشارة هي تحديداً جهتان: سوريا وإيران لدعمهما فصائل المقاومة الفلسطينية.

من غرائب الظواهر في مسار الصراع العربي الإسرائيلي أن القيادات الفلسطينية التقليدية تبدو أحياناً وكأنها نسيت أن هناك احتلالاً، أو ربما تتناسى حقيقة الاحتلال الأجنبي كي لا يقودها استدعاء هذه الحقيقة واستحضارها في الذهن إلى أن على رأس شروط تحرير الأرض من الاحتلال اعتماد مبدأ الكفاح المسلح كوسيلة أساسية. هكذا يفيدنا تاريخ الحركات التحررية.

تأسيساً على ذلك نعيد طرح السؤال: هل أبو مازن زعيم ثورة أم رئيس دولة؟

إن الإجابة عن السؤال ـ أياً تكون ـ هي التي تقرر المسار صوب المصير الفلسطيني النهائي أياً يكون.

أبو مازن يتحدث بلغة رئيس دولة، فهو يعتبر تضامن جهات خارجية مع فصائل المقاومة «تدخلاً» في الشؤون الداخلية للدولة الفلسطينية، كما لو كانت هناك فعلاً دولة فلسطينية ذات سيادة وطنية.

إن الأجدر بزعيم تخضع بلاده لاحتلال أجنبي أن يبدأ تفكيره انطلاقاً من هذه الحقيقة، حقيقة الاحتلال الأجنبي، وبالتالي تكون المهمة هي تصفية الاحتلال لا التعلل بدولة وطنية غير موجودة.

وبما أن تصفية احتلال أجنبي تحتاج إلى مقاومة، والمقاومة تحتاج إلى دعم من أية جهات خارجية تشارك المقاومة العداء الاستراتيجي ضد القوة الاحتلالية وحلفائها.

هناك دول وجماعات تتخذ موقفاً صراعياً ضد الولايات المتحدة والدولة الإسرائيلية، وهذه الدول موزعة في أنحاء العالم بما في ذلك الوطن العربي.

والجدير بالقيادة الفلسطينية أن تسعى لعقد تحالفات مع مثل هذه الدول والجماعات، إذ ينبغي أن يجمعها جميعاً خندق واحد بمثل ما يجمع بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولكي تكون القيادة الفلسطينية التقليدية على مستوى هذا التحدي فإن عليها أولاً أن تتخلص من إرثها.

منذ الوهلة الأولى لقيامها في منتصف ستينات القرن الماضي تبنت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية استراتيجية لعبة السلطة مع الأنظمة العربية. ولأن التوجه الخارجي الأساسي لأغلبية هذه الأنظمة يتمثل في مبدأ استرضاء الولايات المتحدة، وبالتالي إسرائيل، فإن هذا هو بالضبط ما انتهت إليه قيادة منظمة التحرير فحطت قدميها على طريق أوسلو.

وإلى أن تستطيع القيادة التقليدية نبذ طريق أوسلو فإنها تظل وتبقى أسيرة كيان «السلطة الوطنية الفلسطينية»، أي الدولة الوهمية، وكأنها سدرة المنتهى.