تثير المواقف الإسرائيلية المتعلقة بإمكان سماح إسرائيل بقيام دولة فلسطينية الكثير من الانتباه والالتباسات. فغالبية الأحزاب والتيارات الإسرائيلية اليمينية واليسارية من حزب كديما الجديد إلى الليكود مرورا بحزب العمل وشينوي وصولا إلى حزب ميريتس (باستثناء اليمين المتطرف)، باتت توافق بشكل مباشر أو غير مباشر على قبول قيام دولة للفلسطينيين، في مناطق الضفة والقطاع، وإن ضمن شروط معينة.
في هذا الإطار، مثلا، تضمن برنامج حزب «كديما»، الذي أسّسه مؤخرا رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون، التزام الحزب بتحديد «الحدود الدائمة لإسرائيل وبالتنازل عن جزء من أرض إسرائيل» لضمان «وجود دولة إسرائيل كوطن قومي يهودي». كذلك تحدث البرنامج صراحة عن قبول إقامة دولة فلسطينية، إذ «ان إنهاء النزاع سيكون بوجود دولتين قوميتين على أساس الواقع الديمغرافي».
بالمقابل شدد البرنامج على احتفاظ إسرائيل «بالمناطق الأمنية، والقدس موحدة، وبأماكن ذات أهمية قومية وتاريخية وبالكتل الاستيطانية الكبرى..ورفض أية عودة للاجئين إلى أراضي إسرائيل». (معاريف 26/12) وكانت جرت تسريبات صحافية إسرائيلية بشأن استعداد شارون لإقامة دولة فلسطينية على 90 في المئة من أراضي الضفة، وأنه سيكون مستعدا للمساومة حتى على اجزاء في القدس مقابل السلام. (معاريف14/12)
معروف أن إسرائيل، منذ قيامها (1948)، مانعت قيام كيان سياسي للشعب الفلسطيني، وتعمّدت تجاهل وجوده، بتذويبه أو تغييبه، انطلاقا من الشعار الصهيوني: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، وذلك للتغطية على المظالم التي ارتكبتها بحق أهل الأرض الأصليين، وتبرير قيامها سياسيا وأخلاقيا. وقد تمسّكت إسرائيل بهذا الموقف بعد احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة (1967)، حيث تعاملت مع الفلسطينيين بوصفهم سكاناً مقيمين، في حين اعتبرت أنها وحّدت «أرض إسرائيل»، أو أنها استعادت «أرض الميعاد»، بحسب المصطلحات الأسطورية والصهيونية.
وفي حينها تقدمت إسرائيل بعديد من الحلول والمشاريع، من مثل: «الحكم الذاتي» للسكان، الذي يسيطر الفلسطينيون من خلاله على شؤونهم الحياتية والخدمية اليومية، في حين تبقى لإسرائيل السيطرة على الأرض!
وخطط «الترانسفير»، المتعلقة بإجبار الفلسطينيين، بصورة مباشرة أو مواربة، على مغادرة أراضيهم إلى الخارج؛ و«الخيار الأردني»، الذي يعني ضم المناطق المحتلة كثيفة السكان إلى الأردن، واعتبار الأردن وطنا للفلسطينيين. وقد ابتغت إسرائيل من وراء هذه المشاريع التحرّر من عبء الاحتلال الأمني والسياسي والأخلاقي، والتخلّص من تبعات المشكلة الديمغرافية، التي يمثلها الفلسطينيون في الضفة والقطاع، والتي تهدد الطبيعة اليهودية للدولة الإسرائيلية، وتجاوز مطالب الحركة الوطنية الفلسطينية الصاعدة (1968 ـ1987).
المهم أن إسرائيل (بعملها وليكودها) رفضت وقاومت مبدأ قيام دولة للفلسطينيين، ولكن الانزياح الإسرائيلي نحو قبول هذا المبدأ بدأ مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى (19871993)، في الضفة والقطاع، التي أثّرت على التوجهات السياسية في المجتمع الإسرائيلي، وبينت عقم سياسات الاحتلال في إخضاع الفلسطينيين.
كما كشفت حقيقة إسرائيل، بوصفها دولة استعمارية عنصرية تمارس القوة للسيطرة على شعب آخر، على الصعيد الدولي، وجلبت تعاطف الرأي العام العالمي مع الفلسطينيين. وفي ظل هذه المناخات بدأت قطاعات واسعة من حزب العمل (إضافة إلى حزب ميريتس اليساري) تنحو نحو القبول بقيام دولة فلسطينية، أما اليمين الإسرائيلي متمثلا بالليكود فظل يمانع ذلك.
هكذا شكل الانقسام الإسرائيلي من حول عملية التسوية، في الفترة من (1993 ـ 2000) سببا أساسيا في الحؤول دون تنفيذ إسرائيل الاستحقاقات المطلوبة منها في التسوية، وعاملا أساسيا، بالتالي، من عوامل اندلاع الانتفاضة الثانية (سبتمبر 2000).
اللافت أن حزب الليكود هو الذي تأثر، هذه المرة، بالانتفاضة الثانية، بعد أن تأثر حزب العمل بالأولى، وقد نتج عن ذلك توجه آرييل شارون (رئيس الحكومة الإسرائيلية وزعيم الليكود) نحو قبول التسوية المتضمنة انسحابا إسرائيليا من أراض محتلة وإقامة دولة فلسطينية فيها.
وقد أفضى هذا الأمر بدوره إلى انقسام حزب الليكود، بخروج زعيمه شارون منه وتشكيله مع بعض قياديي حزبي الليكود والعمل حزب «كديما»، الذي يعتزم ترسيم حدود إسرائيل والانسحاب من المناطق الفلسطينية كثيفة السكان، في إطار تسوية مع الفلسطينية أو من دونها، على غرار خطة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة.
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن ثمة أغلبية إسرائيلية اليوم لا تمانع قيام دولة فلسطينية، وأن الخلاف بين الإسرائيليين بات يدور حول حدود هذه الدولة أولا؛ ومدى التنازلات التي ينبغي للفلسطينيين تقديمها في سبيل قيام هذه الدولة، إن في مساحة الأراضي وفي موضوع الوجود الاستيطاني وحدود السيادة، وخصوصا، في كيفية حل قضيتي القدس واللاجئين. ويمكن تفسير التوجه الإسرائيلي نحو قبول قيام دولة فلسطينية بعدة أسباب منها:
1ـ رؤية إسرائيل لذاتها باعتبارها دولة يهودية، إذ شكل صمود الفلسطينيين في أرضهم تهديدا ديمغرافيا كبيرا لإسرائيل، التي لم تستطع ضم هذه الأراضي بسكانها لأن ذلك سيهدد هويتها وطابعها اليهوديين، كما أن الاحتفاظ بواقع الاحتلال لم يعد مفيدا من الناحية الموضوعية لأنه يشوه صورة إسرائيل الخارجية ويشكك بمصداقية نظامها الديمقراطي.
2ـ مقاومة الفلسطينيين للاحتلال حيث ان هذا الوضع بات مصدر قلق وتهديد كبيرين لإسرائيل، من النواحي الأمنية والسياسية والأخلاقية، خصوصا أنها لم تنجح طوال العقود الماضية في شطب الشعب الفلسطيني أو تغييبه وظلت مشكلتا الأراضي الفلسطينية المحتلة والشعب الفلسطيني في هذه الأراضي تشكلان مأزقا كبيرا استعصى على إسرائيل حله.
3ـ لم تعد إسرائيل ترى في قيام دولة فلسطينية خطرا وجوديا عليها، بعد التطور السياسي والاقتصادي والمجتمعي الذي بلغته، وخصوصا، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي(السابق) وهيمنة أميركا على النظام الدولي والإقليمي وضمانها لأمن إسرائيل وتفوقها النوعي في المنطقة.
4ـ تحول النظام العربي الرسمي من مستوى الصراع على الوجود مع إسرائيل إلى مستوى الصراع على شكل هذا الوجود والاتجاه نحو حل هذا الصراع بوسائل المفاوضات مع الميل المتزايد نحو إقامة علاقات سلمية وتعاونية ثنائية وإقليمية مع إسرائيل.
5ـ بالنسبة لإسرائيل لم تعد الدولة الفلسطينية تشكل خطرا وجوديا عليها، ففي عصر العولمة باتت الشؤون السيادية نسبية، وباتت قوة الدول لا تقاس بالعناصر التقليدية: مساحة الدولة، عدد سكانها، قوتها العسكرية، وإنما باتت تقاس بقوتها الاقتصادية والتكنولوجية وبتقدمها العلمي وبإمكانياتها المالية وبالأسواق التي تصل إليها.
6ـ محاولة إسرائيل استغلال قيام الدولة الفلسطينية للتخلص من العبء السياسي والأمني والأخلاقي للاحتلال ومن عبء قضية اللاجئين.
على ذلك فإن استعداد إسرائيل لقيام دولة فلسطينية ليس له علاقة بقناعتها بالظلم الذي وقع على الفلسطينيين أو لمحبة دبت فجأة في قلبها تجاههم، فهذه الاعتبارات غير واردة في القاموس السياسي والأخلاقي الإسرائيلي، الذي يأخذ المصالح والأولويات الإسرائيلية بعين الاعتبار.
هكذا فإن صمود الفلسطينيين بأرضهم ومقاومتهم المديدة والمريرة للاحتلال هي التي فرضت حقيقة قيام الدولة الفلسطينية، الأمر الذي يجب ترسيخه في الوعي السياسي الفلسطيني. والمعني من ذلك أن مزيداً من الصمود والصبر والمقاومة المدروسة يمكن أن تجبر الإسرائيليين على التوجه نحو حل يتأسس على العدالة وعلى قرارات الشرعية الدولية.
كاتب فلسطيني