في الطريق لتحقيق واحد من الطموحات الشعبية العربية لتصحيح الواقع العربي ولمواكبة العصر احتضنت جامعة الدول العربية حدثا تاريخيا لا ينبغي التهوين من قيمته بينما الآمال المعقودة عليه تبقى غير محدودة،كما لا ينبغي التهويل في ما هو متوقع له من نتائج، ذلك أنه لا يزال وليدا ولا يزال في مرحلة انتقالية، وأخيرا لا يمكننا الحكم على هذه التجربة إلا بمدى ديمقراطيتها سواء ديمقراطية انتخاب أعضاء البرلمان بصورة مباشرة،أو ديمقراطية ألا يكونوا ممثلين لحكوماتهم بل لشعوبهم، وبمدى سلطته التشريعية أو الرقابية ليمارس بحق دورا برلمانيا لا دورا استشاريا فقط.
ومع التسليم ببعض الملاحظات دعونا نتابع التجربة ودعونا نتفاءل بما شهدناه وسمعناه في جلسة البرلمان الأولى حتى لا نكون مثل بعض عواجيز الفرح ننتقد لمجرد النقد.
وبينما شهدت القاهرة قبل 60 عاما اجتماع التأسيس الرسمي للجامعة العربية تحت عنوان «قمة الوحدة العربية»، ولم يحقق العرب حتى اليوم وحدتهم ولا حتى اتحادهم بسبب غياب الإرادة السياسية وبقي الأمل رغم ذلك في إمكانية تكاملهم، شهد ت القاهرة بعد ستة عقود اجتماعا لا يقل أهمية هو اجتماع التأسيس الشعبي للجامعة العربية ممثلا في «البرلمان العربي» كخطوة واسعة تجدد الأمل في قدرتهم على تغيير واقعهم، وتدفع مسارهم على طريق تحقيق اتحادهم.
ويأتي تدشين هذا الإنجاز في بيت العرب الجامع في يوم من أيام العرب ليترجم إرادة الشعب العربي على امتداد الوطن العربي» الذي يعيش فينا ونعيش فيه» من الخليج العربي إلى المغرب العربي على حد تعبير الرئيس المصري حسنى مبارك رئيس البلد المضيف في افتتاح البرلمان مشيرا إلى ضرورة الارتباط بين الوطني والقومي والتمييز بين الممكن والمستحيل.
ومن الجزائر التي صدر منها قرار القمة استجابة لإرادة القاعدة بتأسيس البرلمان العربي يؤكد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليفة رئيس القمة العربية «إنه ليس أمام العرب من خيار إلا التكامل للانتقال مما نتمناه إلى تحقيق ما نسعى إليه» موضحاً أن العمل العربي يدخل مرحلة جديدة في عالم التكتلات الكبرى الذي لا يحترم الصغار، ولا يرحم المستضعفين.
وفى الطريق إلى دمشق حيث تحتضن سوريا المقر الدائم للبرلمان الذي يمثل حقيقة حلم بدأ يتحقق وراودنا على مدى الأجيال في مشرق الوطن العربي ومغربه، على حد قول الرئيس السوري بشار الأسد رئيس دولة المقر الدائم مشيدا باختيار العرب للعاصمة السورية أن تكون مقرا للبرلمان العربي كما هي المقر أيضا للاتحاد البرلماني العربي.
كما تأتي هذه الخطوة كقيمة مضافة لطاقة الفعل العربي في مواجهة التحديات التي تحيط بالأمة العربية وتستهدف فرط عقدها وإرباك خططها وشل حركتها، ودليلا على قدرة العمل العربي المشترك على الإنجاز عندما تتوافق إرادة القمة الرسمية مع قمة الإرادة الشعبية المنتخبة.
ولا نستطيع تجاهل أن الأمة العربية «تواجه مؤامرة على مساحة الشرق الأوسط الكبير تستهدف السيطرة على إرادتها وثرواتها وتتخفى وراء أقنعة الديمقراطية والإصلاح» على حد وصف رئيس الاتحاد البرلماني العربي نبيه بري داعيا أن تكون الديمقراطية صناعة وطنية أو لا تكون والإصلاح صناعة عربية أو لا يكون «.
ولاشك أن القرارات التي اتخذتها مؤسسة القمة العربية الذراع التنفيذي للجامعة العربية، والجهود التي بذلتها الأمانة العامة للجامعة لمتابعة التنفيذ قد أثبتت القدرة على الفعل حينما تتوفر لسلطة القرار العربي الإرادة السياسية لفعل ما تريده الشعوب.
وجاء ميلاد البرلمان العربي الذي يمثل الذراع التشريعى للجامعة العربية بارقة أمل تبدد جو الإحباط العربي من تعطيل مؤسسات العمل العربي عن تنفيذ العديد من المشروعات التي تمت دراستها ومازالت في الانتظار حتى تتوفر إرادة الفعل من
جانب سلطة القرار.
والآن.. هل أصبح بمقدورنا أن نفرح قليلا بالرغم مما يلفنا من أحزان لما يعانيه الشعب الفلسطيني الصابر من عدوان إسرائيلي لا إنساني يومي مع صمت العالم المريب، وغياب الضمير الإنساني وما يعانيه الشعب العراقي الصامد من الدمار والنزيف اليومي بسبب استمرار الاحتلال الذي دفع الأحرار إلى المقاومة وأتاح للأشرار ممارسة الإرهاب؟
هل أصبح من حقنا أن نتطلع بشيء من الثقة في المستقبل العربي بالرغم مما يوجه من ضغوط ومؤامرات ضد سوريا ولبنان، وبالرغم مما يدبر من شرور للسودان،حيث أصبح ممكنا الآن أن نرسل إلى العالم رسالة واضحة بأننا وطن عربي واحد يتجه بقادته وشعوبه إلى تفعيل الممارسة الديمقراطية «على حد قول الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى «؟
إن انتقال العمل الرسمي العربي إلى تعزيز ديمقراطية العمل العربي سوف يعزز بالنتيجة التضامن العربي الرسمي والشعبي، ويزيد من قدرة العرب على حل مشكلاتهم الداخلية السياسية والاقتصادية والأمنية بما يمكنهم بالنتيجة من التصدي المشترك لما يفرض عليهم من تحديات مصداقا لقول رئيس البرلمان اللبناني بأن «الديمقراطية قادرة على حماية الوطن العربي أكثر من السلاح».
وكان لافتا في هذا المشهد القومي الفريد أن يباشر البرلمانيون العرب منذ الجلسة الأولى إلى ممارسة دورهم البرلماني في الرقابة الشعبية على الأداء الرسمي بصيحة نبيه بري القوية متوجها إلى القادة العرب أن «ارفعوا أيديكم عن البرلمان العربي» وداعيا سلطات القرار الوطنية بأن ترفع أياديها كذلك عن البرلمانات في الدول العربية وتزيد مساحة الديمقراطية لتكون هي خط الدفاع الأول.
وكم كان باعثا على الارتياح أن الدعوة للتكامل الإقليمي العربي التي أصبحت هي أولى الأولويات الآن قد امتدت وتطورت في الاتجاه الصحيح حينما دعا رئيس مجلس الشورى اليمني عبدالعزيز عبدالغني العرب إلى أن يمدوا أبصارهم نحو إفريقيا التي سبقت العرب في تأسيس الاتحاد الأفريقي ومؤسساته الاتحادية بما فيها البرلمان الإفريقي الذي سبق البرلمان العربي، وحين يدعو إلى «التكامل العربي الإفريقي» فإنما يترجم واقعا يقول إن أكثر من ثلثي العرب مساحة وسكانا هم أعضاء في الاتحاد الإفريقي، ويؤمل أن يلحق الثلث الباقي بهم إلى القارة السمراء الواعدة بفرص الاستثمار والتكامل العربي الأفريقي.
وكم كان رائعا أن يكون المشهد الختامي للجلسة الأولى للبرلمان العربي خليجيا عربيا عندما أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية «أن الخليج العربي هو جزء من الأمة العربية، وأن أمن الأوطان العربية الستة في الخليج لا ينفصل عن أمن الوطن العربي الواحد»، موضحا الموقف الخليجي من إعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي، مشيرا إلى أن البرنامج العسكري النووي الإسرائيلي خطر على الأمن العربي كله بما فيه الخليج.
وداعيا إلى توازى الجهود في مساعي إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي سواء في اتجاه إسرائيل أو في اتجاه إيران، وهو ما جاء متوافقا مع الموقف العربي الذي سبق وعبر عنه الأمين العام للجامعة العربية في رسالته لأخيه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي قبل ستة أشهر مؤكدا على وحدة الأمن العربي ومحذرا من تجزيء الجهود العربية التي أخذت طريقها في الأمم المتحدة لإخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي الذي تمتلكه إسرائيل وتعلن إيران أنها لا تسعى إليه، مبددا سوء الفهم الإعلامي حول هذه المسألة.
في النهاية.. يجيء اختيار شخصية برلمانية خليجية هو محمد جاسم الصقر رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الكويتي لرئاسة أول برلمان عربي في تاريخ العرب الحديث تأكيدا واضحا على الرسالة التي نعيها جيدا رسميا وشعبيا والتي على العالم أن يفهمها جيدا أننا وطن عربي واحد من خليجه إلى محيطه مهما بدا على السطح من خلافات،فهذه الصور المجزأة رسمها المستعمرون القدامى وعلينا أن نرسم نحن صورتنا كما نريد لها أن تكون بأيدينا نحن لا بأيدي المستعمرين الجدد.
كاتب مصري
Mamdoh77t@hotmail.com