يستعد العالم، كل العالم: العربي، والغربي، والمسلم، والمسيحي، واليهودي، والعلماني، لوداع اليوم الأخير للعام 2005 ميلادي، وبداية الدخول في عام جديد، ولعل الجميع، يتدارك ما قام بفعله خلال السنة الحالية، من أخطاء، ويرجو ان يتحقق له في العام الجديد، ما يحلم به.

سنة مرت من عمر الإنسان، وفي الوقت نفسه في عمر أمة أو شعب، نساءً وأطفالاً، ورجالاً تعيد حساباتها وما حققته من طموحاتها. هناك شعوب نالت جزءاً مما كانت تسعى إلى تحقيقه، وأخرى لا تزال تناضل من أجل غد أفضل. أمة تحاول أن يكون لها موقع قدم، في هذا العالم المتوحش. وقوى تحاول أن تُرجع عجلة التاريخ إلى الوراء في أرض الحضارات.

اليوم، هو الحسام الفاصل بين عامين، ربما لا يشكل شيئاً بالنسبة للأمم التي لديها خطط خمسية أو غيرها من الخطط. أما تلك التي تسير على البركة، أو حسب التساهيل، فإن كل يوم يمثل شيئاً جديداً لها، فما بالك إذا كان هذا اليوم بداية عام جديد، حيث إن لكل سنة رمزاً من رموز ثقافتها الحضارية، معتمداً في ذلك على تراث حضاري، فمثلاً الشعب الياباني قد أنهى عام الديك... بكل أفراحه وأتراحه ، وبكل رموزه الثقافية.

فالديك هو ذلك الطائر الذي يبشر بقدوم يوم جديد، ويتباهى بألوانه الجميلة، وأنواعه المختلفة. ذاك الديك المقاتل من أجل السيادة، والذي يمشي بكل اعتزاز ويقاتل من أجل أن يبقى، الذكر الوحيد المستبد، بين مجموعة متنوعة من الدجاج.

ان للديك حرية الاختيار، في ظل عدم وجود من يستطيع أن ينافسه، وفي عالمنا المعاصر أصبح للعالم ديك وحيد، يسيطر ويفرد ريشه، ويعامل العالم كله، على أنه مجموعة من الدجاجات، التي تتزين وتقدم أفضل ما عندها لإرضائه. العام الذي سنودعه اليوم، هو عام الديك وفيه شهدنا العجب، ولا ندري ماذا سيحصل في العام المقبل، عام الكلب، ذاك الحيوان الأليف والوفي، الذي قد يدخل من يعامله بالحسنة الجنة، سيكون بلا شك مليئاً بالمفاجآت، فشخصية الكلب مليئة بكل التناقضات.

ومن هنا علينا مراقبة ما يجري في اليابان، وعلاقاتها بالجيران وخاصة دولة التنين، ذات السور العظيم، وأقصد به سور الصين ذا الميزة التاريخية، والذي تم إنجازه لحماية المجتمع الصيني. لا توجد علاقة بين هذا السور، وبين حائط شارون، الذي يساهم في عزل أبناء الشعب الواحد، واقصد أبناء فلسطين، عن بعضهم، بفضل سور عنصري وليس حضاري.

في هذه اللحظة، من لحظات الانتقال، من عام إلى آخر، أحسست بصراع داخلي، فيما يتعلق بالسماح لذلك القادم، من أعماق ثلاثة عقود، من الصراع بين الذاتي والموضوعي، ذلك المارد القادم، من مراحل الوعي الأولى، ذلك الرقيب الذي يفرض نفسه، سواء علي أو على غيري، مما يحمل تناقض الصراع بين الذاتية والموضوعية.

حيث لاحظت في عام الديك أن مجموعة لا بأس بها من الكتاب، قد استفادت من صديقي المزعج، القادم من أعماق الوعي، حسب التعبير الفرويدي، نسبة إلى عالم النفس سيجموند فرويد!!، ذلك الذي كشف عن مكنون النفس البشرية، فلم يعد يسلم من الصديق المزعج، الليبراليين أو الماركسيين أو غيرهم ممن يفكر بصوت عالٍ.

لقد خلق للإنسان، حارس داخلي، على مدى العقود الخمسة الماضية، حتى إن مشاعل الحرية لم تستطع تحريره من قيود الرقابة، سواء كان ذاك العام هو عام الحرية، أو غيره من الأعوام!!!

يعايش الإنسان في لحظات استقبال العام الجديد مجموعة من التناقضات، بين الواقع والحلم، بين الرؤيا المتفائلة، وتلك التي يلفها السواد، بين حلم البشرية في أن يكون الإنسان حراً في اختيار من يمثله أو بين أن يمُثل رغماً عنه، في البرلمان أو المجلس الوطني. وهنا فإن للنساء في العالم العربي، حلماً في ان يصبحن بشراً حسب الدساتير والقوانين، وان تكون المرأة مواطناً كامل الحقوق حسب الأنظمة والقوانين الدولية. إنساناً بلا قيود أو حواجز، فرضها الرجل على مدى ما يزيد على قرنين من الزمن، منذ ثورة الرجل على المجتمع الأنثوي، رداً على المرحلة الأمومية في ذاك الزمن، منذ ما يزيد عن ثلاث آلاف سنة من عمر الإنسان، أليس هذا ظلم تاريخي؟.

ومرة أخرى برز ذلك القادم من عمق ثلاثة عقود! متسائلاً ماذا تريد أن تقول في آخر أيام سنة الديك. هل لديك رسالة معينة؟ أم انك تحاول أن تتهرب من موضوع مهم، لا تستطيع الحديث عنه، أهو عن موضوع المشاركة السياسية، في الوقت الذي أصبح فيه الحديث عن المشاركة أو الديمقراطية، حديث العالم أجمع، سواء الشرق أو الغرب!!

تمالكت نفسي، في ظل ذاك التحديث، من ذلك الغامض، ممن لا يحمل أية مسؤولية، أو ذاك الضمير، الذي يود أن يرتاح، من الآم الطريق وطريق المستقبل.

ومن دون مقدمات طرح السؤال التالي، والذي ربما يكون له أكثر من مغزى، على المستوى السياسي والاجتماعي، ناهيك عن تداعياته على الجوانب الاقتصادية، ما هو دور النخبة، أو أولئك الذين يرفعون شعار، المشاركة السياسية، أو ما يمكن أن يطلق عليهم مجازاً (دعاة الإصلاح والديمقراطية والمجتمع المدني)!!

وهنا وقعت في يده!! صحيح أين أولئك الدعاة لحرية الانتخابات في مؤسسات المجتمع؟

وتذكرت من دون مقدمات، ولا مؤخرات، أين حضور أولئك الدعاة من أنصار تطور المجتمع من الجمعيات ذات النفع العام ؟ وما أكثر تلك الجمعيات: الاقتصاديون، المعلمون، الاجتماعيون، المهندسون، والأطباء، وغيرها الكثير من الجمعيات، تلك الجمعيات التي تسمح ضمن اللوائح والأنظمة و قانون جمعيات النفع العام بانتخاب أعضاء مجالس الإدارات حتى قبل دعوة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة للمشاركة في العملية السياسية وانتخاب أعضاء في المجلس الوطني الاتحادي، أين أبناء الوطن، ممن يعتقدون أنهم الدعاة الأوائل للمجتمع المدني!!

هل يعقل أن يصبح رجال المال والأعمال، أكثر وعياً، من أولئك العاملين في مؤسسات الجمعيات ذات النفع العام، اللبنة الأولى للمجتمع المدني، مجتمع التحول من دولة أو مجتمع القبيلة إلى مجتمع الدولة، والتي دعا لها رئيس الدولة، إن القيادة السياسية في العام الجديد، قد أكدت على ما أكد عليه المؤسسون الأوائل، سُنّة التطور في هذه المجتمعات، وان الجمعيات ذات النفع العام، أصبحت بحاجة إلى إعادة التفكير في آليات عملها.

ان التغيير يحتاج إلى آليات، وفي الوقت نفسه، إلى قوى اجتماعية حقيقية، تدعو إلى إحداث التغيير ذاك الذي يؤكد على تلاحم تطلعات القيادة مع القاعدة، فهل تشهد جمعيات النفع العام، قوائم ذات توجهات مستقبلية، لدفع حركة التقدم في مجتمع الإمارات، تساند توجهات القيادة السياسية نحو غد جديد أفضل؟، أم ان النخبة لا تزال تنفخ في قربة بها عشرات الثقوب تؤكد على زيف دعوة النخبة، وأن على القيادة السياسية، أن تدفع بعملية المشاركة نحو أهداف حقيقية، ويظل ذلك المزعج يعيش في عالم المزايدات الأبدية.

كم هو جميل أن يتذكر الإنسان، أن الأحلام الكبيرة، تبدأ دائماً صغيرة، إلا أن تلك الأحلام لم يكن لها ان تتحقق أبداً إلا إذا كان هنالك فرسان حقيقيون يركبون عربة الأمل، وفي الوقت نفسه تكون لديهم أحلام في تحقيق حلم سنة الكلب، ذلك الحيوان الوفي، والذي يعمل دائماً على ان يكون لطيفاً، ونخشى أن يتحول إلى ذئب كاسر، فهل تشهد جمعيات النفع العام، بشائر توجه النخبة إلى الإيمان، بأن المشاركة الفعالة، هي الطريق نحو الغد المشرق؟

وحدة الدراسات والبحوث

almutawa_mohammed@hotmail.com