يبدو الوضع الفلسطيني معقدا جدا وسط اجواء ملبدة بغيوم سياسية وامنية قاتمة تحجب الرؤية عن المنطقة كلها بما في ذلك اسرائيل التي يعد ارئيل شارون رئيس الوزراء ورئيس حزب كاديما الجديد برسم حدودها النهائية في هذه المرحلة الاولى من حياة الحزب والمرحلة الاخيرة من حياته هو التي كرسها من اجل اقامة الدولة العبرية.
ليس الفلسطينيون وحدهم يبحثون عن ملامح مستقبلهم بل الاسرائيليون ايضا الذين حددوا رؤيتهم وراء الجدار العازل وقرروا ضرب الفلسطينيين بلا رحمة كلما قامت مجموعة مسلحة بتنفيذ عملية عسكرية ضد اسرائيل، وبالطريقة نفسها تنظر اسرائيل الى جميع الدول المحيطة بها اي انها لن تتردد في ضرب اي هدف يمكن ان يهدد امنها، ولكن المشكلة تكمن في ان القيادات السياسية ليست متأكدة بشكل قاطع ما اذا كان ذلك هو الخيار المناسب للمجتمع الاسرائيلي ام لا، خاصة وان تلك الخطة تقطع الصلة بين اسرائيل والمنطقة التي تعيش فيها.
ولا حاجة للوقوف عند ظروف واحوال اخرى في المنطقة وخاصة في لبنان وسوريا رغم انها تزيد من الهم الداخلي نظرا لوجود منظمات خارج الاراضي الفلسطينية تمارس نقدها من بعيد واحيانا غضبها على حالها في الخارج وعلى الاحوال في الداخل، فهذه كلها عوامل تساهم بمستويات متفاوتة في رسم صورة الوضع الراهن الذي كشف للجميع عن حجم وطبيعة الخلافات داخل حركة فتح كبرى الحركات الفلسطينية واكثرها فعالية على ارض الواقع، واظهرت ايضا تناقضات كثيرة حول مشاركة حركة حماس وغيرها من المنظمات المسلحة في الانتخابات التشريعية فضلا عن مسألة مشاركة او عدم مشاركة شخصيات فلسطينية من القدس التي تعتبرها اسرائيل عاصمتها الابدية الموحدة.
وسط هذه الدوامة المزعجة جاء موقف اللجنة الرباعية التي تضم امريكا وروسيا والاتحاد الاوروبي والأمم المتحدة ليدعم الموقف الاسرائيلي الرافض اشراك مرشحين عن حماس والمنظمات المسلحة باعتبارها جماعات ارهابية، بل ان اللجنة ذهبت الى ابعد من الموقف الاسرائيلي لترفض مبدأ وجود اشخاص في البرلمان الفلسطيني »يرفضون حق اسرائيل في الوجود«، وهذا النص الاسرائيلي من بيان اللجنة الرباعية لا يأخذ في الاعتبار اعضاء الكنيست ممن لا يعتقدون فحسب بل يمارسون عدم الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في ابسط حقوق الانسان أي حق الحياة.
هذا موقف غريب خاصة وأن اللجنة تعرف مثلما اسرائيل ايضاً ان الفلسطينيين يدخلون مرحلة جديدة من تاريخ نضالهم الطويل، وأن العوامل الموضوعية وانخراط المنظمات المسلحة في العملية السياسية ستؤدي بالتدريج الى تحولها نحو العمل السياسي والحياة المدنية لأنها ستصبح على تماس مباشر بشؤون الناس وهمومهم العادية وحياتهم الطبيعية، وبالتالي فإن من واجب اسرائيل واللجنة الرباعية والمجتمع الدولي كله دفع المسيرة الفلسطينية الى الامام واشاعة اجواء من الامل والتفاؤل بنيل الدولة المستقلة التي ستحتاج لمبادرات وابداعات كل القوى الفلسطينية من دون استثناء.
على كل حال ليس من حل امام الفلسطينيين سوى حل مشاكلهم بأنفسهم، وهم وحدهم يحملون ثقل هذا المخاض الصعب ومسؤولية تجاوزه بسلام، ومن المؤكد انهم واعون لما يدور حولهم، وعندهم من الخبرة والوعي ومن الشعب الصبور ما يتيح لهم خوض الانتخابات على افضل وجه والسير قدماً الى الامام نحو الحرية والاستقلال والدولة الحضارية المزدهرة.