مع نهاية العام 2005 ربما يصح اعتبار الرئيس جورج بوش «شخصية العام» إذا اتفقنا أن 2005 كان «عام الاعترافات الأميركية».على مدى مساحة زمنية صغيرة نسبياً ـ بضعة شهور خلال النصف الثاني من العام ـ أقر الرئيس بوش علناً بثلاثة اعترافات لا يقل أي منها خطورة عن الآخر.. وهي:
أولاً: التأكيد القاطع على أن عراق صدام ظل خالياً تماماً من أية أسلحة دمار شامل.
ثانياً: ان الغزو الأميركي للعراق نفذ على أساس معلومات استخباراتية غير صحيحة.
ثالثاً: إنه أمر بالتجسس على آلاف المواطنين الأميركيين والمقيمين عن طريق التنصت على مكالماتهم الهاتفية دون استئذان القضاء الأميركي.
مع ذلك، يظل الرئيس بوش رافضاً بعناد أي حديث عن سحب القوات الأميركية الغازية من الأراضي العراقية. وبالقدر نفسه من العناد يصر على السماح للأجهزة الأمنية بمواصلة التجسس الهاتفي غير القانوني.
وإذا كان قرار شن الحرب على العراق واحتلاله اتخذ بناء على معلومات مضللة فإن الرئيس لا يعتزم تقديم مسؤولي الاستخبارات إلى محاكمة أو حتى مجرد تحقيق.
هذا المسلك الغريب لرئيس دولة عظمى هي الأكبر والأقوى في عالم اليوم ـ والنموذج الأعظم المفترض للديمقراطية الليبرالية ـ لا يمثل سوى الشق الداخلي لسياسة إدارته. أما الشق الخارجي فهو أدهى وأمر وخاصة فيما يتعلق بأمر «الإصلاح» الديمقراطي في «الشرق الأوسط الكبير».
فبينما رحب الرئيس الأميركي بنتائج الانتخابات النيابية في لبنان لأنها عكست انتصاراً للهيئات المعارضة لسوريا، فإنه يدعم الموقف الإسرائيلي الذي يعارض إجراء الانتخابات البرلمانية الفلسطينية في 25 يناير المقبل، لأنها من المرجح أن تأتي نتائجها لصالح المقاومة الفلسطينية المسلحة، المتمثلة في «حماس» ـ قياساً على انتصارها في الانتخابات البلدية.
وطيلة العام بأكمله ظلت إدارة بوش متفرغة لحملتين: واحدة ضد سوريا والثانية ضد إيران، وكلا الحملتين انطلقتا من اعتبار أمن إسرائيل.
على الصعيد السوري كان الهدف الأعظم هو تصفية الوجود السوري في لبنان، من أجل فصم المسارين السوري واللبناني في سياق معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، وكتمهيد لتدجين المقاومة الوطنية المسلحة المتمثلة في «حزب الله».
وعلى الصعيد الإيراني، كان الهدف ولا يزال هو تفكيك البرنامج النووي الإيراني، خشية أن يتطور إلى مستوى إنتاج أسلحة نووية، مما يؤدي تلقائياً إلى تحييد الرادع النووي الإسرائيلي.
هذه الأجندة سوف تنتقل بطبيعة الحال إلى العام الجديد 2006. ولاشك أن إدارة بوش تعتزم تصعيداً ضد المقاومة الفلسطينية وضد سوريا وإيران. لكن ـ وعلى خلفية تعاظم الفشل الأميركي في العراق ميدانيا وسياسيا، وبالتالي تصاعد التذمر السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها، فإن عام 2006 مرشح أيضاً، لأن يكون عام فوران الشارع الأميركي ضد إدارة بوش على نحو ما جرى للرئيس ريتشارد نيكسون على خلفية الهزائم الأميركية الحاسمة في فيتنام.