علينا ألا نفترض دائماً أن الأميركيين يتمتعون بقدرات عقلية مبهرة تمنحهم ميزة التفوق على الآخرين؛ ففي أحيان كثيرة تبدو السذاجة الأميركية أمراً واضحاً للعيان، لكن وبفضل ما تتمتع به أميركا من قوة عسكرية واقتصادية هائلة يصعب على الكثيرين إلصاق تهمة السذاجة بها.
إضافة إلى ذلك، فإن حالة الضعف، وربما الخنوع، التي يتحلى بها الكثيرون إبان تعاملاتهم مع الأميركيين الأفراد من ناحية ومع المؤسسات الأميركية من ناحية أخرى، تزيد من حالة الانبهار بالنموذج الأميركي أياً كانت مثالبه وأياً كانت عيوبه.
ألحت عليّ هذه الهواجس، غير المقبولة في عالمنا العربي الذي يهيم حباً وولهاً بالنموذج الأميركي، وأنا أطالع خبر إغلاق مجلة «هاي» الأميركية المطبوعة بالعربية؛ حيث جاء القرار بإغلاق المجلة، التي أنشئت في يوليو 2003 في أعقاب الحرب الأميركية على العراق، من قبل مساعدة وزيرة الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة السيدة كارين هيوز، والمسؤولة الرئيسية في الوزارة عن تحسين صورة أميركا في العالم العربي.
وجاء في أسباب إغلاق المجلة أنها لم تحقق الغاية من إصدارها، حيث تلقت العديد من الانتقادات، الأمر الذي دفع القائمين عليها إلى وقف طباعتها للوقوف على مواطن الضعف وأوجه الانتقادات المختلفة الموجهة إليها، وإن كانت وزارة الخارجية الأميركية قد أكدت على مواصلة إصدارها على الإنترنت.
تطبع مجلة هاي ما يقرب من 55000 نسخة لا يوزع منها سوى 2500 نسخة شهرياً، بما يعني عدم قراءتها تقريباً، بل وأكاد أقول عدم معرفة أحد بها على الإطلاق من الشريحة العمرية المستهدفة ما بين 18 ـ 35 عاماً وفقاً لأهداف وزارة الخارجية الأميركية.
يأتي إصدار هذه المجلة ضمن إطار أميركي أوسع يهدف للتأثير الإعلامي على المشاهد والقارئ العربي، بهدف خدمة أغراض أميركا في المنطقة وجعلها أكثر قبولاً بين العرب، وفي هذا السياق، أنشأت أميركا أولاً إذاعة «سوا» بالعربية، ثم أصدرت مجلة هاي، وأخيراً قناة «الحرة» الفضائية.
ويلقي إغلاق مجلة هاي بالتشاؤم حول مصير كلٍ من سوا والحرة، حيث يواجهان أيضاً انتقادات كثيرة من قبل وزارة الخارجية الأميركية بعدم تحقيقهما لأهدافهما المتمثلة في جذب المشاهد العربي، وتلميع صورة النموذج الأميركي.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا، لماذا سقطت مجلة هاي؟ ولماذا عجزت عن تحقيق أهدافها، ولماذا بالتبعية سوف تسقط كلٍ من سوا والحرة؟ جاء اهتمام أميركا بالمنطقة العربية إعلامياً في أعقاب أحداث سبتمبر 2001، وما تلا ذلك من غزو واحتلال كلٍ من أفغانستان والعراق والحرب الشاملة على ما تطلق عليه أميركا «الإرهاب الإسلامي».
أي أنه إعلام جاء وسط مناخ عدائي بين كلٍ من العرب والمسلمين من جهة، وبين الولايات المتحدة الأميركية والغرب من جهة أخرى. وفي ظل استعار الكراهية المتواصلة بين الطرفين، تمارس أميركا قدراً كبيراً من السذاجة أو لنقل الاستعباط.
فمن ناحية تمارس أميركا أكثر أشكال الهجوم المتواصل على العالم العربي والإسلامي الذي أخذ أقصى تجلياته العدوانية في احتلال كلٍ من أفغانستان والعراق، وفي التدخل المتواصل في شؤون العالم العربي وفرض سياسات محددة عليه، ومن ناحية أخرى تستخدم أميركا الإعلام من أجل تحسين صورتها، ورسم جوانب أكثر إنسانية عن الولايات المتحدة الأميركية.
وتبدو الصورة هنا غاية في المفارقة؛ فأميركا تريد من خلال إعلامها أن تقول للقارئ والمشاهد العربي أن هناك أميركا أخرى وديعة وطيبة ومشرقة لا تمت بصلة لما يحدث في العراق وفي أفغانستان؛ فمن فضلك أيها القارئ والمشاهد العربي لا تحكم على أميركا من خلال ما تراه في العراق وأفغانستان، ومن خلال ما تراه بخصوص الضغوط الأميركية المتواصلة على المنطقة، والمساعدات غير المشروطة والمؤيدة على طول الخط لإسرائيل.
على القارئ والمشاهد العربي أن ينسى كل ذلك، ويتوجه بكليته نحو الإعلام الأميركي القادم إليه عبر الأطلنطي، حيث يتوحد معه، وينسى كل الموبقات الأميركية في المنطقة العربية.
وبالرغم من هذه السذاجة، وهذا الاستعباط، يقدم الإعلام الأميركي الجديد الموجه للقارئ والمشاهد العربي، إعلاماً يتحلى بالضحالة والسخافة وعدم الفهم للواقع والتوجهات العربية المعاصرة.
فمن خلال تحليلنا لأعداد مجلة هاي التي بلغت 36 عدداً يمكننا أن نحدد مجموعة من الأسباب التي أدت لإغلاق المجلة من ناحية، كما تكشف عن إمكانية إغلاق كل من قناتي سوا الإذاعية والحرة الفضائية من ناحية أخرى.
قدمت المجلة طوال أعدادها مادة صحافية لا تمت للقارئ العربي بصلة؛ مثل الأمور المتعلقة بموسيقى الروك والراب والريجي والأزياء وعمليات التجميل وسباقات السيارات والتسويق الإلكتروني وفحوصات ما قبل الزواج وشؤون الصحة والتخسيس، بالإضافة إلى ما يتعلق بالتعليم في أميركا وأوضاع الجامعات فيها،
والرياضة وأحوال الرياضيين الأميركيين المشهورين. اللافت للنظر هنا أن الموسيقى قد حازت على حيز كبير من مساحة أعداد المجلة المختلفة، وعلى ما يبدو أن هناك تصوراً وهوساً ساذجاً يسيطر على القائمين على المجلة بأن الباب الملكي لتجميل صورة أميركا في المنطقة يتمثل في تعميم نموذج الموسيقى والأغاني الأميركية، وكأن الشباب العربي المستهدف من وراء إصدار هذه المجلة ليس له من هم سوى التعلق بالإصدارات الموسيقية الأميركية الجديدة!!
رغم ادعاء المجلة بتجنبها الحديث عن الشؤون السياسية إلا أنها تخلق من باب خفي سياسة الانغماس في الفردية والتحول عن الهم الوطني والقومي العربي. فمن خلال الموضوعات التافهة التي تعرض لها، تخلق شريحة جديدة من الجمهور المتعلق بأهداب الموسيقى الأميركية وبموضات الزي الجديدة وبسباقات السيارات المختلفة، والحمد لله أن توزيع المجلة قد أثبت أن هذه الشريحة بالغة الضآلة في عالمنا العربي.
يرتبط ما سبق بالبعد التام عن كل ما هو مجتمعي وجماعي؛ فالمجلة لم تتناول منذ بدايتها وحتى إغلاقها أية موضوعات تتسم بالصفة الجمعية. فالنماذج العربية الناجحة في أميركا يتم تقديمها كنماذج فردية منقطعة الصلة بأية أطر مجتمعية، أو أية خبرات سابقة.
كما أن النماذج الناجحة التي يتم تقديمها من العالم العربي، يتم التعامل معها أيضاً عند حدودها الفردية، في انقطاع كامل مع الخلفية والإطار المجتمعي الذي توجد فيه. فالبطالة على سبيل المثال يتم التعامل معها بوصفها حالة فردية يمكن للفرد التغلب عليها من خلال بحثه الدؤوب عن عمل، وخلقه لفرص عمل مبتكرة وجديدة.
جاءت معظم أعداد المجلة متناقضة مع أوضاع العالم العربي الأقل تنموياً على مستوى العالم؛ حيث دأبت المجلة عبر أعدادها المختلفة على تقديم صورة مشرقة تغلفها الموسيقى وإمكانية التلاقي بين البشر، مع التركيز على حالات النجاح الفردي سواء في أميركا أو في العالم العربي.
وفي هذا السياق، بدت المجلة منقطعة الصلة تماماً مع تحولات الواقع الاجتماعي وظروفه المعيشية المتردية، ولعل هذا يناقض توجهات المجلة التي تدعي بعدها عن الشؤون السياسية، من حيث تقديمها لجرعات تغريبية تخديرية تحول بين فهم الواقع المعيش وإمكانية نقده وتغييره.
وعلى ما يبدو أن الإعلام الأميركي الحكومي الموجه للعالم العربي مازال يعكس بالأساس توجهات السياسة الخارجية الأميركية نحو العالم العربي. فهذا الإعلام لا ينطلق من فهم حقيقي وواعٍ بأوضاع المنطقة وبظروفها، كما أنه مازال يفرض أجندته الخاصة به، بغض النظر عن مدى ملاءمتها لأوضاع وسكان المنطقة.
وإلى أن تغير السياسة الأميركية الخارجية من توجهاتها نحو المنطقة، وإلى أن تتلاشى سذاجة الإعلام الأميركي أو استعباطه، فإن الغلق سوف يكون مصير كل المؤسسات الإعلامية الأميركية في المنطقة العربية.
كاتب مصري ـ جامعة الإمارات