إذا كان لا بد من وضع عنوان رئيسي للتطورات التي شهدها عام 2005 ونحن نودع أيامه الأخيرة ونستعد لاستقبال عام جديد، فإن العنوان الأقرب إلى الواقع ربما يكون «عام الانتكاسات» التي طغت على المشهد السياسي في عالم بات يستظل بغيمة داكنة السواد تحركها حكومة عالمية شمولية بكل المقاييس،
رغم كل ما يتشدق به السيد جورج دبليو بوش، الذي يقف على رأس هذه الحكومة، حين يتفاخر بما حققه خلال هذا العام من «إنجازات» اكتظ بها كشف حساب عرضه البيت الأبيض أخيراً على شكل وثيقة مكونة من ست صفحات، تم توزيعها على وسائل الإعلام عشية عطلة أعياد الميلاد، وتوجها الرئيس بعبارات المدح والثناء ومشاعر الرضى حيال ما يعتقده إنجازات تم تحقيقها في ظل إدارته عام 2005.
لكن قراءة سريعة للمشهد السياسي على الصعيد العالمي تشير إلى عكس كل ما ذهبت إليه الإدارة الأميركية في تقييماتها الملتوية للأحداث الصاخبة حول العالم وحتى في كنف «أرض الأحلام الأميركية» نفسها، حيث سيطرت الإخفاقات في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وحتى الطبيعية منها،
والأمثلة في هذا السياق لا تعد ولا تحصى، بدءاً بمشروع السيد بوش الخاص بإرساء الديمقراطية في العالم عموماً وفي «الشرق الأوسط الكبير» على وجه الخصوص، الذي تحولت بلدانه إلى محميات أميركية يقوم على حمايتها أحدث ما توصل إليه العلم في مجال التقنيات العسكرية الفتاكة وأعتى أجهزة الاستخبارات في العالم.
ففي العراق، على سبيل المثال لا الحصر، شنت الحرب تحت ذرائع جميعها واهية، إلى درجة تجعل المراقب للأحداث يقف محتاراً أمام تحديد الغث من السمين منها، لا بل إن هذه الحيرة لا بد وأنها تطال حتى مبتكري تلك الذرائع، التي استهلت مسيرتها بأطروحة أن نظام صدام حسين كان يملك أسلحة دمار شامل
ومن ثم ارتقت إلى ربط هذا النظام بما يسمى «الإرهاب العالمي» إلى أن رست أخيراً في ميناء ضرورات إرساء دعائم الديمقراطية في العراق. ورغم كل المحاولات التي جرت هناك لتثبيت صحة الذريعة الأخيرة وبعد إجراء ثلاث عمليات انتخابية متتالية، إلا أن المجتمع العراقي لا يزال يتخبط في غياهب الطائفية والمذهبية والعرقية، حيث يبدو الأفق مسدوداً أمام الانفراج السياسي.
أما خارطة الطريق، التي وضعتها الإدارة الأميركية لحل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، فلم تخرج على علاتها، من حدود النصوص النظرية التي تكتنفها وما الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة إلا خطوة أحادية الجانب استلزمتها ضرورات أمنية إسرائيلية صرفة، لن تقود إلى تحقيق الأمن للإسرائيليين ولا إلى تحقيق بعض من تطلعات الفلسطينيين في الحرية والاستقلال،
لا بل إنها تأتي في سياق المزيد من إحكام القبضة الحديدية الشارونية على الشعب الفلسطيني في الداخل. فالمدخل الرئيسي لحل هذا النزاع يبدأ في تحويل النظرة إليه من نظرة أمنية بحتة إلى نظرة سياسية تتعامل مع واقع سياسي من الطراز الأول.
لكن مسلسل إخفاقات إدارة بوش لا يقتصر على السياسة الخارجية، وإنما يطال الكثير من أوجه الحياة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، حيث بات الخوف يعشش في عقول المواطنين، الذين ما أن يخرجوا من أزمة تثير مشاعر الرعب، حتى تدخلهم الإدارة في أزمة جديدة أشد وأقصى وكأنه كتب عليهم العيش دوماً في ظل تهديد دائم لا يرحم،
وكل ذلك يأتي في سياق محاولة بائسة من جانب هذه الإدارة لخلق مسوغات تفرض من خلالها ما يحلو لها من قوانين وتدابير لا تحمي بها إلا نفسها ومصالحها الضيقة، التي لا تخرج ولا بأي شكل من الأشكال عن إطار الصفقات التجارية والمساومات الاقتصادية، التي لا تخدم بدورها سوى حفنة من الأشخاص المتعطشين للثروة. لقد باتت الإدارة الأميركية، المتحكمة بمقاليد الكون،
مثل شخص وقع على كنز ثمين وجن جنونه إلى درجة جعلته يفقد الصواب فيما يجب فعله وما لا يجب الاقتراب منه أو المساس فيه، وراحت توزع شهادات حسن السلوك أو سوء السلوك في سائر بقاع الأرض، متجاوزة كل الخطوط الحمر الممكنة، ساعية إلى خلق المزيد من الأعداء حول العالم، ضاربة عرض الحائط بكل النظم التي سنتها البشرية على مر العصور، متحولة إلى امبراطورية لا تملك أي وازع أخلاقي.