أصرت قيادة المؤتمر الوطني على عقد «المؤتمر الجامع لأهل دارفور» بالفاشر في الموعد الذي قطعته (19 ـ 21 ديسمبر) رغم مقاطعة الجماعات المسلحة له والمعارضة الشمالية (حزب الأمة، المؤتمر الشعبي، الشيوعي، البعث، العدالة جناح مكي بلايل، رابطة محامي دارفور، وعدد من الاتحادات والروابط الطلابية)، بل وقاطعه الشريك الأكبر للمؤتمر الوطني في الحكومة وهو الحركة الشعبية التي تشترك حاليا في مفاوضات أبوجا لأول مرة.
وهذه المقاطعة الواسعة تفقد المؤتمر أهم ميزة له أنه مؤتمر جامع لأهل دارفور، وبفقدان هذه الميزة يصبح تجمعا لا قيمة له من الناحية السياسية وان حشد له ضيوف كثر من ممثلي البعثات الدبلوماسية والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وصرف عليه مئات الملايين من الجنيهات.
ولا تعدو توصياته أن تكون مثل توصيات الورش العديدة التي أقيمت من قبل لمناقشة أزمة دارفور، فلا تلزم أحدا من الناحية السياسية أو المعنوية، بما في ذلك قيادة المؤتمر الوطني التي خططت وحشدت وأنفقت من مال الدولة السائب.
الغريب أن قيادة المؤتمر الوطني لم تتعظ بتمارين فاشلة قامت بها من قبل لغرض مماثل هو حل مشكلة الجنوب، فقد نظمت مؤتمرا في جوبا في منتصف التسعينات أسمته «السلام من الداخل» صرفت عليه بسخاء وحشدت له كل جماعة عدا حملة السلاح وقوى المعارضة السياسية، وانتهى المؤتمر دون أن يخطو قيد أنملة في حل مشكلة الحرب الأهلية.
وكررت التمرين الفاشل مرة أخرى حين عقدت «اتفاقية الخرطوم للسلام» في عام 1997 مع الفصائل التي لم تحارب الحكومة منذ انشقاقها عن الحركة الشعبية، وكانت النتيجة المتوقعة أن لا تلتزم الحكومة باتفاقية لم تحقق سلاما، فرجع من تبقى من قادة الفصائل إلى حركتهم الأم المتمردة وواصلوا معركتهم ضد الحكومة.
وحاولت الحكومة مرة ثالثة شيئا مماثلا في دارفور مع فصيل منشق من حركة العدل والمساواة، ما عاد الناس يذكرون حتى اسمه! ولا أدرى ما هي الجهة داخل المؤتمر الوطني المولعة بتكرار التمارين السياسية الفاشلة؟ وما هي مصلحتها في ذلك؟ فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى «درس عصر» كما يقول المعلمون!
ولا يستطيع المرء أن يرد على من يقول ان الصرف البذخي على مثل هذه المؤتمرات التي لا تتقيد بقوانين المحاسبة والمراجعة، فمالها مباح لكل أصحاب النفوس الصغيرة من المنتجين والمخرجين والممثلين، وهؤلاء هم أصحاب المصلحة الحقيقية في تنظيم تلك التمارين السياسية الفاشلة!
وما كانت الحكومة في حاجة إلى هذا التمرين الفاشل لأن المعارضة السياسية قبلت فكرة المؤتمر الجامع لأهل دارفور منذ أن أصدرت «وثيقة القوى الوطنية لمعالجة أزمة دارفور» في 22 نوفمبر 2005م، بل واشتركت في اللجنة التحضيرية التي شكلتها الحكومة لتنظيم المؤتمر الجامع لأهل دارفور.
وتقدمت المعارضة بطلبات متواضعة كان يمكن للحكومة أن تستجيب لها لولا العناد وضيق الأفق. طلبت أن يؤجل عقد المؤتمر لمدة أسبوع، وأن تعطى رئاسة المؤتمر لشخصية مستقلة ترشحها الحكومة وتقبلها المعارضة فقد سبق للحكومة أن عينت كل مقرري اللجان الأربع من المقربين لها،
وأن يكون تمرير القرارات بالتوافق العام بين القوى السياسية والاجتماعية وليس بتصويت الأغلبية لأن ممثلي المؤتمر الوطني والموالين له يبلغون 90% من المدعوين البالغ عددهم (1300) لذلك كان الحضور (1211) رغم المقاطعة التي مني بها من قبل الحركات المسلحة والمعارضة الشمالية والحركة الشعبية. ورفضت الحكومة الاستجابة لهذه الطلبات المتواضعة لتقوم بعملية عزف منفرد لمؤتمر فاشل تتحمل وحدها وزر عقده وضياع الأموال التي صرفت عليه!
يتوقع المرء أن يكون الهدف الأساسي من عقد المؤتمر بالنسبة للحزب الحاكم هو الخروج بتوصيات «مقبولة» له مما يحرج الحركات المسلحة التي تتفاوض معهم في أبوجا، وأظن أن العكس تماما قد حدث! فالتوصيات جاءت محرجة للحكومة ومساعدة للجماعات المسلحة التي ستزيد عليها لأنها تعتبر ما تمخض عن المؤتمر هو ما تعرضه الحكومة وتقبل به، فيجب عليها كحركات ثورية أن تقتطع مكاسب أكثر لأهل دارفور مما جاء في المؤتمر حتى تحوز على تأييدهم السياسي.
وهذا عين ما فعله الدكتور جون قرنق حين بنى مطالبه في نيفاشا على ما حصل عليه قادة الفصائل الجنوبية التي عقدت اتفاقية الخرطوم للسلام مع الحكومة، أصبح ما جاء في الاتفاقية أمراً مفروغاً منه لمصلحة الجنوب ويتوجب على الحكومة أن تدفع أكثر لتكسب السلام مع الطرف المحارب حقيقة.
جاء في توصيات المؤتمر أن تكف الدولة عن توظيف المواطنين على أساس قبلى وعن الاستنفار على أساس قبلي، ألا يؤيد ذلك قول المتمردين إن الحكومة هي التي تشعل نار القبلية في دارفور بالمحسوبية في توظيف الناس وبدعم مليشيات عرقية ضد الآخرين؟
متى يدرك قادة المؤتمر الوطني أن الزمان في السودان قد تغير بعد نيفاشا، وأن أقاليم الهامش قامت لها سنون يغذيها المجتمع الدولي وتأييد أبناء تلك الأقاليم بمن فيهم أعضاء الحزب الحاكم، وأن هذه الحركات الإقليمية هي القيادة الجديدة لأقاليم السودان الطرفية على حساب كل القيادات القديمة،
وأن مواجهة مطالب الأقاليم بشجاعة وصدق وحساسية هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق السلام وإبقاء السودان موحدا وأن كل أساليب اللعب السياسي القديمة لا تزيد النار إلا اشتعالا. ويكفينا ما وصلنا إليه من تمزق ومهانة ووصاية دولية!
كاتب سوداني