للسنة الثانية على التوالي، يصدر مشروع الموازنة السنوية لدولة الإمارات من دون عجز، بل هو يفوق موازنة العام الماضي بثلاثة مليارات درهم، أي بمعدل نمو يوازي 13%. وهذا بحد ذاته انجاز يعكس مستوى الترشيد المعتمد في تحديد أبواب الميزانية.
كما أنه يعكس ما ينعم به الاقتصاد الوطني من عافية وتنويع ومتانة الأرضية، والأهم من ذلك أن الأرقام تشير إلى مدى التركيز على الطابع الإنتاجي الاستثماري بعيد المدى؛ في توزيع الإنفاق على المرافق والمشاريع. ويتمثل ذلك في الدرجة الأولى، بالحصة التي نالها قطاع التعليم والتي بلغت 37% ـ 5,9 مليارات درهم ـ؛ إضافة إلى 500 مليون درهم لغرض تنمية المهارات والتقنيات الجديدة.
المعروف في لغة الاستراتيجيات الاقتصادية المعاصرة أن الإنفاق السخي على تنمية وإعداد الموارد البشرية والتي يعتبر التعليم مدخلها الإجباري هو بمثابة الاستثمار الأساسي المضمونة مردوداته ـ ولو البعيدة ـ، على صعيد التنمية والنهوض المتواصل بالاقتصاد الوطني.
كما تدل هذه الأرقام على أن قطاع التعليم ـ المدرسي والجامعي ـ في الدولة مقبل على تحولات نوعية تكفل تخريج الأفواج الشابة وتزويدها بما تحتاج إليه من كفاءات؛ ليس لتجاوز قضية التوطين فقط، بل أيضاً وأساساً لتلبية متطلبات التنمية الوطنية، السائرة بسرعة قياسية وبمعدلات عالمية. بل هي في صدارة هذه المعدلات.
كذلك يتمثل الطابع الإنتاجي التنموي للموازنة، في المخصصات المحددة لمشاريع البنية التحتية؛ التي ارتفعت إلى 7,3 مليارات درهم، بزيادة 2,2 مليار درهم عن العام الماضي، وهي زيادة لا تنطق بمدى التسارع الذي تحققه عملية النمو والبناء؛ بقدر ما تؤشر إلى الحرص على توفير كل ما تحتاجه حركة الاستثمار الوافدة بوتيرة متسارعة إلى البيئة الإماراتية الملائمة؛ أو تلك المتوقع منها أن تأخذ هذه الوجهة.
ويصب في مثل هذا التوجه وتعزيزه أن مشروع الموازنة جاء خالياً من أية زيادات في الرسوم الحكومية الاتحادية؛ بحيث لا تترتب على المواطنين أية أعباء إضافية ولا كذلك على المستثمر.
ويكتمل المشهد الواعد عندما يتبين أن بقية النفقات موزعة على المرافق الحيوية الأخرى من الصحة ـ التي قفزت بزيادة 250 مليون درهم ـ إلى الرعاية الاجتماعية ومشاريع الإسكان وصندوق الزواج.. والتي تغطي 80 برنامجاً رئيسياً و170 برنامجاً فرعياً.
ويزيد في الاطمئنان أنها تدعم وتعزز التوجه نحو التوطين؛ في كافة المجالات. خاصة في المجال الصحي، حيث يصار إلى توطين الأطباء المواطنين. وزيادة على ذلك، فقد حظيت الموازنة بإشادة صندوق النقد الدولي للاعتماد على نظام معلومات الإدارة المالية الحكومية».
وهو الذي يعتمده الصندوق لكونه يوفر الشفافية والمرونة ولا يعتمده أحد في المنطقة، حتى الآن، غير الإمارات. غياب العجز عن الموازنة طموح يسعى إليه كل بلد لتحرير اقتصاده من الأعباء التي تعرقل التنمية، لكن ربط الإنفاق بالبرامج التي تخدم مسيرة التنمية هو الذي يميز موازنة هذا العام ويؤسس لاعتماد هذا النهج في المستقبل.