ما نشر بالأمس حول برنامج حزب شارون «كاديما» ونواياه ازاء تسوية القضية الفلسطينية يتنافى بكل بساطة مع أصول التعامل السياسي والحضاري بين الدول والشعوب: فهو يضع شروطا مسبقة ومحظورات ويضع تصورات احادية الجانب للعديد من المشكلات والقضايا العالقة، ويتجاهل كلياً الحقوق الفلسطينية الثابتة والمشروعة: واولها بطبيعة الحال الحق في المشاركة الفعالة والاسهام الكامل في المفاوضات السلمية، والموافقة او الرفض للمقترحات او الاملاءات الاسرائيلية، التي يراد فرضها بالقوة في ظل المعطيات الاحتلالية الراهنة والانحياز الاميركي السافر لاسرائيل.

وهناك العديد من الاشكاليات الخطيرة والقنابل الموقوتة التي تهدد عملية السلام في ثنايا ما نشر من البرنامج المذكور، واول هذه الاشكاليات ما يتعلق بموضوع القدس، ثم المستوطنات اليهودية في الضفة، ورسم الحدود بين اسرائيل وفلسطين. وهناك قضية اكثر الحاحاً وحساسية، والتصاقا بجوهر الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي: وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين، وحقهم في العودة الى ديارهم وهو حق مقدس لا يمكن لأي زعيم فلسطيني او حكومة فلسطينية ان يتنازلا عنه، مهما طال الزمن، وتوالت الصعاب، واشتدت المعارضة الاسرائيلية ضده.

وبرنامج حزب «كاديما» يشطب مرة واحدة الحقوق الفلسطينية، ويتجاهل المطالب العادلة فيما يختص بالقدس، المركز السياسي والديني والثقافي والاجتماعي للشعب الفلسطيني، ومهوى افئدة المسلمين من جميع انحاء العالم، وهي العاصمة التليدة والخالدة للدولة الفلسطينية. كما انه يقفز عن قرارات الشرعية الدولية التي طالبت اسرائيل بالانسحاب من الاراضي المحتلة عام 1967واعتبرت المستوطنات اليهودية كلها غير شرعية وتتناقض مع العملية السلمية، بل انها تمثل عقبة كبرى في طريق السلام. وعلى الرغم من هذه القرارات، فان حزب شارون يصر على الاحتفاظ بما يسميه الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة - وهو توجه احادي الجانب، ولا توجد دولة اخرى في العالم تتفق مع اسرائيل في هذا الموقف، بما في ذلك الولايات المتحدة التي اشترطت اي تبادل في الاراضي بين اسرائيل وفلسطين ان يتم في اطار المفاوضات، وبموافقة الجانبين - وتحديدا الجانب الفلسطيني.

أما المفارقة العجيبة في برنامج «كاديما» فهي ان رجالاته يريدون ان تقوم حكومتهم المقبلة - اذا فازوا في الانتخابات - برسم الحدود بين اسرائيل وفلسطين: اي انهم يسعون لتولي دور الفلسطينيين، اضافة الى دورهم في مهمة رسم الحدود. وهي مهمة لا يمكن ان تكون حقيقية إلا اذا قام بها الطرفان الواقعان على جانبي الحدود. اما ان تم فرض هذه الحدود من قبل الطرف الاقوى عسكرياً، ودون مشاركة وموافقة الطرف الآخر، فان المجتمع الدولي وبكل بساطة لن يعترف بهذه الخطوط من جهة، كما انها من الجهة الثانية، لن تدوم ولن تستمر سوى فترة ربما تطول او تقصر الى ان تتغير موازين القوى، او الى ان يتصاعد التوتر بين الجانبين الى درجة الغليان والتفجر.

والاسوأ من ذلك كله، ان يقرر حزب «كاديما» شطب قضية اللاجئين وحق العودة، اللذين كانا عبر العقود الستة الماضية وراء كل الحروب والمنازعات العربية الاسرائيلية، في تحد واضح لقرارات الامم المتحدة، والحق الانساني للاجئين في العودة الى وطنهم - وهو حق غير قابل للنقض او المراجعة. وما يمكن استخلاصه من ملاحظات على هامش برنامج «كاديما» هو انه وصفة مؤكدة لاستمرار الصراع وتكريسه، وليس محطة على طريق التسوية او حتى مجرد مسكن للازمات التي تعصف بالمنطقة. وان كانت هناك امكانية ولو ضئيلة، بأن تتجاوز الممارسات الواقعية للحكومة الاسرائيلية المقبلة (اذا فازت كاديما في الانتخابات، وتمكنت من تشكيل هكذا حكومة) ان تتجاوز هذا البرنامج شكلا ومضموناً وفعالية، وجدية، في اخذ المطالب والحقوق الفلسطينية بعين الاعتبار والاحترام.