بعد تفاقم الوضع القتالي في العراق يتفاقم الآن الوضع السياسي: الخطة السياسية التي وضعها زلماي خليل زادة السفير الأميركي في بغداد والحاكم الفعلي للبلاد وراهن عليها كلياً الرئيس بوش بلغت الآن طريقاً مسدوداً.
بناء على الخطة أقنع زادة قادة الأحزاب والمنظمات السنية ـ الإسلامية والعلمانية على حد سواء ـ بالمشاركة في العملية الانتخابية الأخيرة مما يمهد لهم ان يشاركوا أيضاً في رسم المصير السياسي للعراق.
لكن بعد إعلان النتائج الأولية للانتخابات أثار القادة السنيون ضجة عظمى حول ما قالوا انه تزوير واسع النطاق للانتخابات وهو إدعاء اتضح انه ليس بلا أساس في الحقيقة بالنظر إلى الوقائع المحددة التي أوردوها مطالبين في الوقت نفسه بإعادة العملية الانتخابية برمتها.
بالطبع لم يكن وارداً لدى السفير زادة ورئيسه ان تحقق الجماعات السنية اكتساحاً في الانتخابات .. بل وحتى القادة السنيون أنفسهم لم يكونوا ليتوقعوا ذلك. لكن إدارة بوش ـ ومعها قيادات السنة ـ كانوا يتوقعون للجماعات السنية مجتمعة قدراً من الفوز يجعل صوتهم عالياً نسبياً في العملية السياسية المصيرية التي تعقب الانتخابات ومن ثم يتيح لهم المشاركة في الحكم بقدر مناسب.
من وراء هذا الأمل كان الرئيس بوش يرى في تحقق توافق على نحو ما بين التنظيمات السنية من ناحية وائتلاف الغالبية الشيعية مع الأحزاب الكردية على مستوى الحكم عزل المقاومة المسلحة تمهيداً للقضاء عليها بما يشبه إجماعاً عراقياً.
الآن دخلت العملية السياسية مرحلة تعقيد تهدد بنسفها من أساسها، فبينما ترفض المنظمات الشيعية اقتراحاً أميركياً يقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية يشمل تمثيلاً سنياً بقدر مناسب ومحترم فإن الأحزاب والمنظمات السنية تهدد من ناحيتها بمقاطعة العملية السياسية برمتها.
وفي هذا السياق فإنهم لا يصرون على مطالبتهم بإعادة إجراء الانتخابات، كما يبدو تصريحات بعض قادتهم، إذا أتيح لهم المشاركة في التشكيل الوزاري بقدر مناسب.
هكذا وصلت العملية إلى طريق مسدود، فالأغلبية الشيعية ليست راغبة في التفريط بما حققت من انتصار انتخابي كاسح بدرجة كبيرة لصالح إشراك السنة في تقرير المصير العراقي، الأمر الذي يسبب قدراً كبيراً من الحرج لإدارة بوش.
في وجه الانتقادات المتعاظمة ضد الرئيس بوش داخل المسرح السياسي الأميركي لفشل إدارته عسكرياً وسياسياً في العراق، راهن الرئيس على العملية الانتخابية العراقية، وما ستؤدي إليه من توافق سياسي قومي بين مختلف التيارات العراقية، ومن ثم المراهنة على قيام جبهة وطنية عريضة تعيد إلى العراق مناخ استقرار الطريق الديمقراطي مع القضاء على المقاومة المسلحة.
وهكذا وبناء على الخطة المرسومة تعقد «حكومة الوحدة الوطنية» العريضة معاهدات عسكرية مع الولايات المتحدة تتيح لواشنطن انسحاباً بشرف. والآن.. عوضاً عن حلحلة الأزمة العراقية، تدخل إدارة بوش مرحلة أزمة جديدة.