لم يبق على وداع عامنا سوى يومين، وندخل في فرح استقبال العام الجديد، وتتداخل الأحلام بالكوابيس، مثلما يولد الأمل من رحم عذابات ومعاناة الواقع، وتقود دفقة الحياة إلى انطفاء شعلتها، كما يقول الفيلسوف الوجودي هيدجر «الإنسان مولود من أجل الموت».

أو كما يلخص الفيلسوف الإسلامي الإمام أبو حامد الغزالي الحياة في عبارته المكثفة «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» أو بمعنى أخر أن هذه الدنيا دار عمل وكدح، وليست منتهى الوجود، بل مجرد مرحلة زائلة، تعبر بنا إلى الأبدية ودار البقاء «الأخروي» حيث الجزاء من جنس العمل.

في عامنا الراحل تعرضت أمتنا لنكسات وتراجعات، وأنجزت انتصارات مهمة على ندرتها، وأهدرت فرص غيرها، بفعل السلوك العربي الذي يركن إلى مقولة غريبة مؤداها أن «ليس بالإمكان أفضل مما كان» وهي التي عرقلت كل محاولات التجديد.

وأطالت أعمار سياسات انتهى عمرها الافتراضي، وتجاوزها الزمن، وحتى لا نغرق في دوامة الإحباط واليأس، التي تستوطن الشارع العربي، يجب أن نذكر بأن عامنا الحالي شهد في أيامه الأخيرة أهم انجاز في تاريخ النظام العربي ومؤسساته.

حيث عقد أول برلمان انتقالي اجتماعاته في القاهرة بحضور 88 نائبا من 22 دولة، في بداية حقيقية لمسيرة ضخ دماء شعبية في شرايين الجامعة العربية، بعد أن تكاثرت عليها أمراض تصلب الشرايين وانسداد قنوات تواصلها مع الشارع العربي.

وكادت تهددها بالموت بـ «السكتة الدماغية والقلبية» تحت ضغط يد التدخل الأجنبي الثقيلة، المختبئة في قفاز ديمقراطي حريري، أو بسبب حالة الضعف والهوان التي آل إليها كثير من الأنظمة، اما بفعل فساد حكوماتها أو إصرارها على احتكار صنع القرار دون اعتبار لأراء الناس ومصالح الشعب.

الشاهد أن تأسيس برلمان عربي يحمل بارقة أمل حقيقي في غد مشرق لهذه الأمة التي يتكالب عليها الأعداء من الخارج، وحماقات فاسدين وطغاة من الداخل، يساندهم المرجفون لإشعال نيران «الفوضى الخلاقة» كمقدمة لتأسي عصر دويلات الطوائف والعملاء، واسترجاع نماذج عصر الحروب الصليبية، والغزوات الغربية.

قيمة ورمزية انعقاد أول برلمان عربي تكمن في تجسيد قدرة النظام العربي على تجاوز المحن، وتخطي العقبات، وتعطي المثل لمن يتردد أو يخامره الشك في قدرته على التصدي للهجمة الغربية الحالية التي تتداخل حلقاتها مع أجندة الكيان الصهيوني.

وتتوحد غاياتها في السعي لإزالة النظام العربي من الوجود، لإفساح الطريق أمام نظام شرق أوسطي تكون واسطة عقدة إسرائيل، مثلما صارح الثعلب شيمون بيريز بعض الوزراء العرب المهرولين للتطبيع خلال قمة الدار البيضاء بأن الخير في انتظارهم تحت قيادة بلده فقط عليهم ان يجربوا، مثلما جربوا قيادة مصر لمدة خمسين سنة!

في ظل هذا الطوفان من التحديات، والنفخ في بوق زوال المشروع القومي العربي، يجيء ميلاد البرلمان العربي، ليجدد الأمل، ويحفز التيار القومي على إطلاق الطاقات وتكثيف حضوره في الشارع.

والتخلي عن قوقعة المنتديات النخبوية التي لم تضف سوى المزيد من الخيبات والنكسات، رغم صدق النوايا وأصالة الاجتهادات النظرية إلا أنها لم تنضج في وهج المشاركة الشعبية وبوتقة الواقع، بل خضعت لسيطرة قيادات غائبة عن الوعي بالحاضر ولم تستفد من دروس الماضي.

أو قيادات شابة مغامرة أدمنت الانتهازية واللعب على حبال السلطة والجماهير، ونالت تصفيق قطاع واسع من الجماهير في الوقت نفسه التي أجادت دور «محامي شيطان السلطة» مستفيدة من غياب الشفافية.

والحال هكذا، نستقبل عامنا الجديد بروحية التفاؤل والأمل في غد عربي أفضل، لن نصنعه إلا بإشاعة الحرية واحترام الرأي الآخر، والتخلي عن نهج الإقصاء والإبعاد، وإسقاط أسلوب اصطناع «الأتباع» وإعلاء قيمة الحقيقة والخبرة وأهل الرأي، دون إغراق في التحيز للهوى والشطط.