واهم من يعتقد أن السلام الحقيقي المبني على أسس الشرعية الدولية بين الفلسطينيين والإسرائيليين قريب ليس لأن الشعب الفلسطيني هو الذي يرفض السلام وفقاً للشرعية الدولية بل لأن القيادة الإسرائيلية مدعومة من غالبية الشعب الإسرائيلي لاتزال غير ناضجة وغير راغبة في تحقيق السلام الذي يحقق الأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط.
وهذا ليس استنتاجاً يتطلب جهداً كبيراً لمعرفته وإدراكه بل هو شعارات وتصريحات وأفعال وبرامج سياسية معلنة من قبل الساسة الإسرائيليين. لقد أعلنت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن حزب «كاديما» الجديد الذى يتزعمه ارييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي يرغب فى تحديد حدود الدولة الإسرائيلية بشكل دائم.
وأفادت نسخة من بيان لحزب «كاديما» تسربت إلى الصحيفة أن تقدم عملية السلام مع الفلسطينيين يعد هدفاً رئيسياً سينتهجه الحزب من أجل تحديد حدود دولة إسرائيل لتصبح مأوى آمن لليهود وكذلك من أجل التوصل إلى السلام وإنشاء دولة فلسطينية.
في الوقت نفسه نسبت الصحيفة إلى النائب الإسرائيلي روني بار آون قوله خلال اجتماع حزبي إن الحدود الدائمة لإسرائيل ستشمل كامل مدينة القدس وكذلك المستوطنات اليهودية الرئيسية في الضفة الغربية وهي «آرييل» و«غوش ايتزيون» و«معالي آدوميم». وفيما يتعلق بالدولة الفلسطينية فقد أكد الحزب ـ طبقا لمعاريف ـ رفضه عودة أي من اللاجئين الفلسطينيين.
وفي أول قراراته الكبيرة منذ عودته إلى العمل بعد إصابته بجلطة خفيفة، أمر شارون بتخصيص منطقة أمنية شمال قطاع غزة يمنع الفلسطينيون من دخولها على غرار الحزام الأمني الذي أقامته قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان سابقاً.
وقال المتحدث باسم رئيس الوزراء رعنان جيسين إن شارون أعطى الضوء الأخضر للخطة التي تهدف إلى اتخاذ كل إجراء ممكن لوقف هجمات الصواريخ القادمة من قطاع غزة. أما رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست الإسرائيلي المتطرف يوفال شطاينتس فقد أمر بشن عدوان أرضي علي قطاع غزة، على غرار العدوان الذي شنته حكومة شارون على الضفة الغربية والذي سمي إسرائيلياً عملية «السور الواقي».
أما التصريح الأوضح الصادر عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى كان إعلان شاؤول موفاز وزير الحرب الإسرائيلي عن أن السلام مستحيل مع الجيل الحالي من الفلسطينيين، وأنه يجب انتظار «الجيل المقبل» لتحقيق ذلك. وأضاف موفاز: «أشك في أن نتمكن من التوصل يوماً إلى اتفاق سلام مع القيادة الحالية».
شعبياً أظهر استطلاع نشرته صحيفة معاريف قبل أيام قليلة أن 46% من الإسرائيليين يعتقدون أن آرييل شارون هو الأفضل لتولي رئاسة الحكومة متقدماً بكثير على بنيامن نتانياهو رئيس حزب الليكود الجديد الذي حصل على تأييد 19% وعمير بيريتس رئيس حزب العمل الجديد الذي حصل على 14%.
وهذا الاستطلاع يعكس بطبيعة الحال توجه غالبية الشعب الإسرائيلي نحو اليمين واليمين المتشدد كخيار سياسي للمرحلة المقبلة التي ستشهد العديد من التطورات داخلياً وإقليمياً.
إن ما يجري الآن في الساحة الفلسطينية ليس منفصلاً عن المراحل التاريخية السابقة ولا سيما بعد توقيع اتفاقات سلام مرحلية بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ عام 1993.
ويجب علينا التذكر أن شارون وموفاز ومختلف أركان القيادة الإسرائيلية الحالية، كانوا يرددون قبل استشهاد الرئيس الراحل ياسر عرفات بأن الوصول إلى السلام مستحيل معه وأن السلام ممكن مع خليفته. وقد أثنت القيادة الإسرائيلية كثيراً على الرئيس محمود عباس سواء عند توليه مهمة رئاسة الحكومة أو بعد توليه رئاسة السلطة.
ولكن الوضع اختلف جذرياً عندما توضح للإسرائيليين أن الرئيس عباس لن يقبل العروض الإسرائيلية المختلفة لتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، فعاد الإسرائيليون يشكون الرئيس الفلسطيني المنتخب لرفضه الانخراط في لعبة الحرب الأهلية التي هي الهدف الإسرائيلي الأسمى منذ «إعلان المبادئ» عام 1993 تحت مسمى محاربة «الإرهاب».
لقد اتهموا الرئيس عرفات بالإرهاب والآن يتهمون الرئيس عباس بالضعف والتردد وعدم جديته لمحاربة الإرهاب، وتستمر إسرائيل في الحالتين بشن حرب عدوانية ضد الشعب الفلسطيني، كما تواصل سياسة خلق الحقائق الاستيطانية والعنصرية التي تحاول أن تجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد الممكن، لأنه الحل المفروض على الأرض.
الحقيقة أن ما قاله موفاز ليس في واقع الأمر سوى إقرار علني بواقع قائم يستبعد السلطة الفلسطينية من أية مفاوضات ذات مغزى، لاسيما منذ النجاح الإسرائيلي في فرض إقامة الكانتون الفلسطيني الأول في قطاع غزة، وفق منهجية آحادية الجانب لا متسع فيها لشريك آخر.
وهي المنهجية التي يجري تعميمها منذ وقت على الضفة الغربية في مسعى جدي وخطير لترسيم حدود كانتونات الفصل العنصري في الضفة الغربية التي يمكن أن تشكل ملامح «الحل المرحلي»، الذي لا يستبعد موفاز إمكانية فرضه في مرحلة «تغييب» الشريك الفلسطيني عن طاولة المفاوضات النهائية حتى «الجيل المقبل».
وفي واقع الأمر، لم تكن عملية «فك الارتباط» مع قطاع غزة سوى «السيناريو الأول» لفك الارتباط مع السلطة الفلسطينية عندما تستكمل على أرض الواقع الخطوات اللازمة لتكرار نموذج الحل أحادي الجانب في الضفة الغربية؛ وهي الخطوات التي تقدرها حكومة شارون بمدى ما أنجزته في بناء الجدار الفاصل.
وما شقته من طرق للإسرائيليين وأخرى للفلسطينيين، وما أقامته من وحدات وبؤر استيطانية جديدة، وبأعداد من تغتالهم أو تعتقلهم من رموز استمرار مقاومة الشعب الفلسطيني لمخطط الكانتونات. ولا يعني فك الارتباط مع السلطة سوى إقصائها عن أية عملية تفاوضية حول حل لا يحتاج فرضه لدورها الرافض له أصلاً.
يبدوا أن شارون وموفاز وحتى اليساري السابق شمعون بيريس تخطوا مرحلة الإعلان عن عدم وجود شريك فلسطيني كما كان الحال خلال عهد الرئيس عرفات ووصلوا إلى مرحلة الإعلان عن شطب دور جيل فلسطيني بأكمله من عملية التفاوض السياسي بشأن الحل الذي يمس مصير هذا الجيل والأجيال اللاحقة.
وهذا الإعلان يفسره حديث شارون الذي كان أول من تحدث عن «حل انتقالي» لدويلة فلسطينية تفرض وفق تحفظاته على خارطة الطريق، ويمتد إلى 15 عاماً، حتى ينشأ جيل فلسطيني قادر على التفاوض حينها على قضايا الحل النهائي، وفي مقدمتها تلك المتعلقة بالقدس والحدود واللاجئين، وهي ذاتها التي يطالب الجيل الحالي بالتفاوض حولها اليوم قبل الغد.
مما لا شك فيه أنه سيكون أمام الفلسطينيين متسع من الوقت للتفكير بأمر المفاوضات، طالما أن التوصل إلى حل نهائي متروك للجيل المقبل الذي حسب الأحداث على أرض الواقع لن يكون قادراً على التفاوض على أي من مسائل الحل النهائي ليس لشيء ولكن لأن الأرض الفلسطينية التي هي الأساس .
وهي المشكلة وهي المصير وهي الوجود وهي المستقبل ستكون قد تقلصت إلى مساحات من السجون الكبيرة والصغيرة معزولة عن بعضها البعض. وهذا الأمر ليس سراباً كما هو السلام الإسرائيلي ولكنه حقيقي لأنه يرتكز على استراتيجية إسرائيلية مدروسة منذ قيام الدولة العبرية وحتى الآن ومنذ حالة الحرب التي سادت بين العرب وإسرائيل وحتى الوصول إلى سلم بين العرب وإسرائيل.
isam997@hotmail.com
كاتب وباحث سياسي